الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٣٤
موجودا و يكون العجز عن الإتيان منه بشهادة الذوق مطلقا فهو ممنوع، لأنه إنما يشهد الذوق بلزوم ذلك إذا كان المأتيّ منه- أعني مثل القرآن- كلا له أجزاء، و التعجيز باعتبار الإتيان بجزء منه كما قررناه سابقا، و إن أراد أنه إنما يلزم بشهادة الذوق إذا كان المأتيّ منه كلا له أجزاء فمسلّم، لكن كونه مرادا هاهنا ممنوع، بل المراد هاهنا أنّ المأتيّ منه نوع من أنواع الكلام، و التعجيز راجع إليه باعتبار الأمر بإتيان فرد آخر كما صوّرناه في مثال الياقوتة فتذكّر.
قال المدقق صاحب (الكشف) [١] في شرحه على هذا الموضع من كلام الكشاف: و يجوز أن يتعلّق ب (فأتوا) و الضمير للعبد، أمّا إذا تعلّق بسورة صفة لها فالضمير للمنزّل أو للعبد على ما ذكره و هو ظاهر، و من بيانية أو تبعيضية على الأول لأنّ السورة المفروضة مثل المنزّل على معنى سورة هي مثل المنزّل في حسن النظم، أو لأنّ السورة المفروضة بعض المثل المفروض، فالأول أبلغ، و لا يحمل على الابتداء على غير التبعيضيّة أو البيان، فإنّهما أيضا يرجعان إليه على ما آثر شيخنا الفاضل رحمه اللّه، و ابتدائية على الثاني، و أمّا إذا تعلّق بالأمر فهي ابتدائية و الضمير للعبد، لأنّه لا يتبيّن إذ لا مبهم قبله، و تقديره: رجوع إلى الأول و لأنّ البيانية أبدا مستقر على ما سيجيء إن شاء اللّه تعالى، فلا يمكن تعلّقها بالأمر و لا تبعيض إذ الفعل يكون واقعا عليه كما في قولك: أخذت من المال، و إتيان البعض لا معنى له، بل الإتيان بالبعض، فتعيّن الابتداء، و مثل السورة و السورة نفسها إن جعل مقحما لا يصلحان مبتدأ بوجه، فتعيّن أن يرجع الضمير إلى العبد، و ذلك لأن المعتبر في مبدئية الفعل المبدأ الفاعلي أو المادي أو الغائي أو جهة ملتبس بها و لا يصح واحد منها. فهذا ما لوّح إليه العلّامة، و قد كفيت بهذا البيان إتمامه»، انتهى كلامه.
و أقول: حاصل كلامه أنّه بطريق السّبر و التقسيم حكم بتعيين من للابتداء، ثم بيّن أنّ مبدئية الفعل لا تصحّ هاهنا إلّا للعبد، فتعيّن أن يكون الضمير راجعا إليه، و لا يخفى أنّ قوله: «و لا تبعيض إذ الفعل حينئذ يكون واقعا عليه إلخ ..» محلّ تأمّل إذ وقوع الفعل عليه لا يلزم أن يكون بطريق الأصالة، لم لا يجوز أن يكون بطريق التبعيّة مثل أن يكون بدلا، فإنّكم لمّا جوّزتم أن يكون في المعنى مفعولا صريحا كما قررتم في «أخذت من الدراهم» أنّه بمعنى «أخذت بعض الدراهم»، لم لا تجوّزون أن يكون بدلا من المفعول؟ فكأنه قال: بسورة بعض مثل ما نزّلنا، فتكون البعضية
[١] يريد كتاب (كشف الأسرار و عدة الأبرار) تفسير فارسي للشيخ العلامة سعد الدين بن عمر التفتازاني، انظر كشف الظنون (١٤٨٧) .