الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٣١
فنحن نجوّز ذلك لا على أنّه لضرب الأوّل، و لكن لفعل محذوف دلّ عليه الأوّل، كأن سائلا سأل: من ضرب؟ فقال: عمرا، أي ضرب عمرا.
قال الحديثي: و لقائل أن يختار الثالث و يقول: العامّ لا يقدّر إلّا للذي يلي «إلّا» منهما، فإنّ العامّ إنّما يقدّر للمستثنى المفرّغ لا لغيره و المستثنى المفرّغ هو الذي يلي «إلّا» فلا يحصل اللّبس أصلا. فثبت أنّ جواب شرح المنظومة لا يتمّ بما ذكره في الأمالي أيضا، نعم يتمّ بما ذكره ابن مالك و هو أنّ الاستثناء في حكم جملة مستأنفة، لأنّ معنى «جاء القوم إلّا زيدا»: ما منهم زيد، و هذا يقتضي ألّا يعمل ما قبل «إلّا» فيما بعدها لما لاح أنّ «إلّا» بمثابة «ما»، و «إلّا» في صورة مندوحة عنه، و هي إعمال ما قبل إلّا في المستثنى المنفي على أصله، و فيما بعد إلّا المفرّغة و هو المستثنى المفرّغ تحقيقا أو تقديرا نحو: «ما جاءني أحد إلّا زيد»، على البدل، و فيما بعد المقدّمة على المستثنى منه، و المتوسطة بينه و بين صفته الإضمار إن قدّر العامل بعد إلّا في الصور لكثرة وقوعها، نحو: «ما قاموا إلّا زيدا» و «ما قام إلّا زيد» و «ما جاء إلّا زيدا القوم» و «ما مررت بأحد إلّا زيدا خير من عمرو»، و ألّا يجوز «ما ضرب إلّا زيد عمرا»، و لا «... إلّا عمرا زيد» لأنّه إن كانا شيئين فهو ممتنع، و إن كان المستثنى ما يلي إلّا دون الأخير يكون ما قبله عاملا فيما بعده في غير الصور الأربع، و هو ممتنع. و ما ورد قدّر عامل الثاني، فتقدير «ما ضرب إلّا عمرا زيد» ضرب زيد.
و ذهب صاحب (المفتاح) [١] إلى جواز التقديم حيث قال في فصل القصر:
«و لك أن تقول في الأوّل: «ما ضرب إلّا عمرا زيد» و في الثاني: «ما ضرب إلّا زيد عمرا» فتقدّم و تؤخّر، إلّا أنّ هذا التقديم و التأخير لمّا استلزم قصر الصفة قبل تمامها على الموصوف قلّ دوره في الاستعمال، لأنّ الصّفة المقصورة على عمرو في قولنا:
«ما ضرب زيد إلّا عمرا» هي ضرب زيد لا الضرب مطلقا، و الصفة المقصورة على زيد في قولنا: «ما ضرب عمرا إلّا زيد هي الضرب لعمرو» [٢]. قال الحديثي على صاحب المفتاح: إنّ حكمه بجواز التّقديم إن أثبت بوروده في الاستعمال، فهو غير مستقيم بأنّ ما ورد في الاستعمال يحتمل أن يكون الثاني فيه معمولا لعامل مقدّر،
[١] هو أبو يعقوب السكاكي: يوسف بن أبي بكر بن محمد، علّامة، إمام في العربية و المعاني و الأدب و العروض و الشعر، صنّف: مفتاح العلوم في اثني عشر علما. (ترجمته في معجم الأدباء ٥/ ٦٤٧).
[٢] انظر مفتاح العلوم (ص ١٦١).