الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٥٦
النّون جعلهما كالضّبّ و النّون، فزال هذا الوهم اللّفظيّ العاري من المعنى بمجرّد المبنى و المبنى و الذي يقضى منه العجب أنّ المخطئ في الظاهر كيف يعدّ من محقّقي الأدب.
و أمّا حلّ مبناه و بيان معناه فالظّاهر من المقصود ما يقول العبد و هو محمود، أنّ «ثانيه» خبر ثان لصار و لكن جعل من قبيل «أعط القوس باريها» [١] في ترك النّصب، إذ هو خبر لمبتدأ محذوف، و «لم يكن» بمعنى «لم يصر» لقربه من سياق «أن صار»، و «ثان» اسمه و تنوينه عوض عن الضمير المضاف إليه و «كاثنين» خبره و فيه مضاف محذوف، و المآل: و لم يصر ثانيه كثاني اثنين إذ هما في الغار، لأنّهما تجاورا في العلوّ لا في الغور، و الغرض أن يصف مصلوبه بالارتفاع لكن في الصّلب، و هو من التّهكّم المليح.
الكلام في قوله تعالى: وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً
و من الفوائد عن الشيخ بدر الدين بن مالك نقلت من خطّ الشيخ كمال الدين الشمنّي والد شيخنا:
سئل الشّيخ بدر الدين ابن العلّامة جمال الدّين بن مالك رحمهم اللّه تعالى عن قوله تعالى: وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً [الأنفال: ٢٣] الآية، و البحث عن تركيبها.
فأجاب: هذه الآية على صورة الضّرب الأول من الشّكل الأول من القياس المؤلّف من متّصلتين، لأنّها مشتملة على قضيّتين متّصلتين موجبتين كلّيتين، و بينهما حدّ أوسط هو تال في الصّغرى، مقدّم في الكبرى، و ذلك يستلزم قضية أخرى متّصلة، مركبة من مقدّم الصّغرى و تالي الكبرى، و هو: (و لو علم الله فيهم خيرا لتولوا و هم معرضون،) و كيف يكون علم اللّه فيهم خيرا و قبولا للحقّ ملزوما لتولّيهم و عدم قبولهم له، هذا الإشكال، قال: و عندي عنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: لا نسلّم أنّ نظم الآية الكريمة يستلزم المتّصلة المذكورة، لأنّ من شرط الإنتاج اتحاد الأوسط، و لا نسلّم أنّ الأوسط متّحد بناء على أحد التفسيرين لقوله تعالى: وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ فإنّ قوله تعالى: وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ معناه: لو علم اللّه فيهم خيرا و قبولا للحقّ لأسمعهموه و لو أسمعهم ذلك الإسماع لتولّوا، و لم يؤمنوا مبالغة في بعدهم عن الإقبال على الإيمان و الدخول فيه. و قيل معناه: لو أسمعهم فآمنوا لتولّوا بعد ذلك و ارتدّوا. فعلى هذا
[١] انظر شرح المفصل (١٠/ ١٠٣)، و فصل المقال (ص ٢٩٨).