الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٥
يقولون بإثر ذلك: و صلّى اللّه على محمد، فيعطفون الصّلاة على التحميد، و لا فرق بين عطفها على التحميد و عطفها على البسملة، لأنّ كلتا الجملتين خبر، و هذا ليس مختصا بكتب الضعفاء في العربية دون الأقوياء، و لا يكتب الجهّال دون العلماء، بل ذلك موجود في كتب الأئمّة المتقدّمين و العلماء المبرّزين، كالفارسيّ و أبي العباس المبرّد و المازني و غيرهم، فلو لم يكن بأيدينا دليل ندفع به مذهب هؤلاء إلا هذا لكفى من غيره، فتأمّل خطبتي كتاب الإيضاح للفارسي و صدر الكامل لأبي العباس المبرّد و صدر كتاب سيبويه، و غير ذلك من الكتب، و تأمّل خطب الخطباء و كلام الفصحاء و البلغاء، فإنّك تجدهم مطبقين على ما وصفته لك، فهذا وجه صحيح يدل على فساد ما قالوا.
و منها: أنّ قولنا: و صلّى اللّه على محمّد بإثر البسملة منصرف إلى معنى الخبر، و لذلك تأويلات مختلفة:
أحدها: أن يكون تقديره: أبدأ باسم اللّه الرحمن الرحيم و أقول: صلّى اللّه على محمد، فيضمر القول و يعطفه على «أبدأ»، و ذلك ممّا يصرف الكلام إلى الإخبار، و العرب تحذف القول حذفا مطردا، شهرته تغني عن إيراد أمثلة منه، كقوله تعالى:
وَ الْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ [الرعد: ٢٤]، أي:
يقولون: سلام عليكم، و كذا قوله: وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر: ٣]، أي: يقولون: ما نعبدهم إلّا ليقرّبونا إلى اللّه زلفى.
الثاني: على معنى: أبدأ باسم اللّه و بالصلاة على محمد، فيكون من الكلام المحمول على التأويل، كما أجاز سيبويه [١]: «قلّ رجل يقول ذلك إلّا زيد» لأنه في معنى: «ما أحد يقول ذلك إلّا زيد»، و هذا كثير لا يستطيع أحد من أهل هذه الصناعة على دفعه، و إن شئت كان التقدير: أبدأ باسم اللّه و أصلّي على محمد، فيكون محمولا أيضا على المعنى، و هذه التأويلات الثلاثة تصيره و إن كان دعاء إلى معنى الإخبار، فهذا وجه آخر صحيح.
و منها: أنه لا يستحيل عطف قولنا: و صلّى اللّه على محمد على قولنا: بسم اللّه و إن كان دعاء محضا من غير أن يتأوّل فيه تأويل إخبار، لأنّا وجدنا العرب يوقعون الجمل المركّبة تركيب الدّعاء و الأمر و النهي و الاستفهام التي لا يصلح أن يقال فيها
[١] انظر الكتاب (٢/ ٣٢٦).