الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٤
الإعراب، أمثلك يعرّض بهذا لمن كان أدنى تلامذته فارسا في علم الإعراب مقدّما في حملة الكتاب؟ لكنّ نحوك انحصر في الجمل الذي صنّف لصبيان الكتّاب، و حرمت من الكنوز التي أودعها سيبويه في هذا الكتاب، ثم على تقدير إتيان أو للإضراب مطلقا كما ذهب إليه بعضهم لا يندفع الإيراد، لأنّ من شرط ارتفاع شأن الكلام في البلاغة صدوره من بليغ عالم بجهة البلاغة بطرق حسن الكلام، و أن يكون السامع معتقدا أنّ المتكلّم قصد هذا في تركيبه عن علم منه، لا أنّه وقع اتّفاقا بلا شعور منه، فإنه إذا أساء السامع اعتقاده بالمتكلم ربّما نسبه في تركيبه ذلك إلى الخطأ، و أنزل كلامه منزلة ما يليق به من الدرجة النازلة، و ممّا يشهد لذلك ما نقل صاحب (المفتاح) [١] عن عليّ رضي اللّه عنه أنّه كان يشيّع جنازة، فقال له قائل: من المتوفّي؟ بلفظ اسم الفاعل سائلا عن المتوفّى، فلم يقل: فلان، بل قال: اللّه تعالى، ردّا لكلامه عليه بخطأ أو منبّها له بذلك، على أنّه كان يجب أن يقول: من المتوفّى بلفظ اسم المفعول، و يقال: إنّ هذا الواقع كان أحد الأسباب التي دعته إلى استخراج علم النحو، فأمر أبا الأسود الدّؤلي بذلك، و لا شكّ أنّه يقال: توفّى على البناء للفاعل أي: أخذ، و حينئذ يكون كناية عمّن مات، بمعنى أنّ الميّت أخذ بالتّمام مدّة عمره فمات، فالمتوفّي هو الميّت بطريق الكناية، و يقال: توفّي على البناء للمفعول أي:
أخذ روحه، و حينئذ يكون الميّت هو المتوفّى حقيقة، و المتوفّي هو اللّه، و لمّا سأل من هو من الأوساط من علي عن الميّت بلفظ المتوفّي الذي هو من تركيب البلغاء أجابه بما يليق به: إنّ المتوفّي هو اللّه تعالى، و فيه بيان أنّه يجب أن يقول: من المتوفّى بلفظ اسم المفعول الذي يليق به، كما تقوله الأوساط لأنه لا يحسن الكناية.
و إذا سمعت ما تلونا عليك و تأمّلت المقصود من إيرادنا هذا الكلام عليك تتيقّن الجواب عن الثالث و الرابع في ذهنك اليقين الجليّ.
و أمّا قولك: «خامسا: هب هذا خطأ صريحا، أ ليس المقصود هنا كالصّبح فما كان لو اشتغلت بالجواب» فنقول: الجواب عليه من وجهين:
أحدهما: أنّ الأئمة قد صرّحوا بأنّه لا يكتب على الفتوى إلّا بعد تصحيح السؤال.
و الثاني: أنّه يحتمل أن يكون قد أحسن الظنّ في حقّك بأنّ مثل هذا لا يخفى
[١] انظر مفتاح العلوم للسكاكي (ص ١٢٢).