الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٤٠
و أمّا المثال المذكور فأصله: ما جئت بزاد، و لكنّهم عدلوا عن ذلك لاحتماله خلاف المراد، و هو نفي المجيء البتّة، فإنّ من لم يجئ يصدق عليه أنّه لم يجئ بزاد، فلذلك أدخلوا (لا) على مصبّ النفي، و من ثمّ سمّاها النحويّون: مقحمة، أي:
داخلة في موضع ليس لها بالأصالة.
فإن قلت: فلم يقولون: «ما جاءني زيد و لا عمرو» حتّى احتيج إلى إضمار العامل؟ قلت: إنّما يقولونه إذا أرادوا الدّلالة على نفي الفعل عن كلّ منهما بصفتي الاجتماع و الافتراق، إذ لو لم يكرّروا الثّاني احتمل إرادة نفي اجتماعهما، و نفي كلّ منهما.
فإن قلت: فهلّا أجازوا في الاستفهام «هل جاءك زيد و هل عمرو» إذا أرادوا التّنصيص على الاستفهام عن مجيء كلّ منهما، و رفع احتمال الاستفهام عن اجتماعهما في المجيء في وقت؟.
قلت: لئلّا تقع أداة الصّدر حشوا.
فإن قلت: قدّر العامل، و قد صار ذو الصّدر صدرا.
قلت: نعم، لكن تبقى صورة اللّفظ حينئذ قبيحة، إذ الأداة داخلة في اللّفظ في حشو الكلام، و هم معتنون بإصلاح الألفاظ كما يعتنون بإصلاح المعاني.
و الثالث نحو: «قام زيد و عمرو».
فإن قلت: فهل نصّ أحد على جواز الوجهين في ذلك على وجوب تقدير العامل مع تكرار النّافي؟.
قلت: أمّا مسألة تكرار النّافي، فقد أوضحت بالدليل السابق وجوب تقدير العامل فيها. و أمّا ما أجزت فيه الوجهين فلا سبيل إلى دفع الإمكان فيه، على أنّني وقفت في كلام جماعة على ذلك، قال بعض المحقّقين: «اعلم أنّ الواو ضربان:
جامعة للاسمين في عامل واحد، و نائبة مناب التثنية، حتّى يكون قولك: «قام زيد و عمرو» بمنزلة «قام هذان»، و مضمر بعدها العامل، و ينبني عليها مسائل:
إحداها: «قام زيد و هند» بترك تأنيث الفعل، فهذا جائز على الوجه الأوّل دون الثّاني، لأنّا نقول على الأوّل: غلّبنا الذّكر، و لا يقال ذلك على الثاني، لأنّ الاسمين لم يجتمعا.