الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٤٢
ابن عصفور في (شرح الجمل). فأوجب تكرار النّافي عند تكرار الفعل، و لكنّه صرّح بالفعل مع النّافي، و قد بيّنا أنّ تكرار النّافي كاف لأنّه مستلزم تكرير الفعل.
إذا تقرّر هذا فنقول: إذا كرّر الحالف النّافي فهي أيمان لما بيّنا من أنّ تكرار (لا) يؤذن بتكرار الفعل و صار قوله: «و اللّه لا كلّمت زيدا، و لا عمرا و لا بكرا» بمنزلة قوله: «و اللّه لا كلّمت زيدا، و لا ماشيت عمرا، و لا رأيت بكرا». و هذه أيمان قطعا، يجب في كلّ منها كفّارة، فكذلك في المثال المذكور، لا يفترقان إلّا فيما يرجع إلى التّصريح و التّقدير، و كون الأفعال متّحدة المعنى أو متعدّدة، و كلا الأمرين لا أثر له.
و إذا لم يكرّر النّافي فالكلام محتمل لليمين و الأيمان بناء على نيّة الفعل و عدمها و إنّما حكموا بأنّها يمين واحدة بناء على الظاهر، كما أنّهم لم يحكموا باتحاد اليمين مع تكرار (لا)، مع احتمالها للزّيادة كما في قوله تعالى: وَ لَا النُّورُ بعد قوله سبحانه و تعالى: وَ ما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ وَ لَا الظُّلُماتُ وَ لَا النُّورُ [فاطر: ٢٠] لأنّه خلاف الظّاهر. نعم، إن قصد المتكلّم بقوله: «و اللّه لا كلّمت زيدا و عمرا» معنى: و لا كلّمت عمرا، فهو يمينان لأنّ ذلك أحد محتملي الكلام، و قد نواه؛ و إن قصد بقوله: «لا كلّمت زيدا و لا عمرا» معنى «لا كلّمت زيدا و عمرا» الذي لم يضمر فيه الفعل، و قدّر (لا) زائدة فيمين واحدة، لا يلزمه في نفس الأمر إلّا كفّارة واحدة و إن كان قد يلزم في الحكم بخلاف ذلك، بناء على ظاهر لفظه.
و قد يقال بامتناع هذا الوجه بناء على أنّ (لا) إنّما تزاد إذا كان في اللفظ ما يشعر بذلك كقرينة قوله تعالى: وَ ما يَسْتَوِي .. فإنّ الاستواء لا يعقل منسوبا إلى واحد، و كذلك قوله تعالى: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [الأعراف: ١٢] فإنّ من المعلوم أنّ التّوبيخ على امتناعه من السّجود، لا على امتناعه من نفي السّجود؛ لأنّه إذا امتنع من نفيه كان مثبتا له. فأمّا المثال المذكور فلا دليل فيه على ذلك، فلا تكون (لا) فيه إلّا نافية، اللّه أعلم.
الكلام في (إنّما)
و من فوائده أيضا تغمّده اللّه تعالى برحمته: اعلم أنّ الكلام في (إنّما) في موطنين؛ أحدهما لفظيّ، و الآخر معنويّ. أمّا اللّفظي: فمن جهة بساطتها أو تركيبها، و أمّا المعنويّ: فمن جهة إفادتها الحصر أو عدم إفادتها له.