الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٢٠
و لم يذكر أحد من النّحاة في أمثلته ما يكون الأول فيه يحتمل أن يندرج فيه الثاني و خطر لي في سبب ذلك أمران:
أحدهما: أنّ العطف يقتضي المغايرة، فهذه القاعدة تقتضي أنّه لا بدّ في المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه، و المغايرة عند الإطلاق تقتضي المباينة؛ لأنّها المفهوم منها عند أكثر الناس، و إن كان التحقيق أنّ بين الأعمّ و الأخصّ، و العامّ و الخاصّ، و الجزء و الكلّ، مغايرة و لكنّ المغايرة عند الإطلاق إنّما تنصرف إلى ما لا يصدق أحدهما على الآخر. و إذا صحّ ذلك امتنع العطف في قولك «جاء رجل و زيد» لعدم المغايرة، فإن أردت غير زيد جاز و انتقلت المسألة عن صورتها، و صار كأنّك قلت: جاء رجل غير زيد، لا زيد، و غير زيد لا يصدق على زيد. و مسألتنا إنّما هي فيما إذا كان «رجل» صادقا على زيد، محتملا لأنّ يكون إيّاه؛ فإنّ ذلك ممتنع للقاعدة التي قرّرت وجوب المغايرة بين المعطوف و المعطوف عليه.
و لو قلت: «جاء زيد و رجل» كان معناه: و رجل آخر، لما تقرّر من وجوب المغايرة، و كذلك لو قلت: «جاء زيد لا رجل»، وجب أن تقدّر: لا رجل آخر.
و الأصل في هذا أنّا نريد أن نحافظ على مدلولات الألفاظ فيبقى المعطوف عليه على مدلوله من عموم أو خصوص، أو إطلاق أو تقييد، و المعطوف على مدلوله كذلك، و حرف العطف على مدلوله، و هو قد يقتضي تغيير نسبة الفعل إلى الأول ك «أو» فإنّها تغيّر نسبته من الجزم إلى الشكّ، كما قال الخليل في الفرق بينهما و بين «إمّا»؛ و ك «بل» فإنّها تغيّره بالإضراب عن الأوّل، و قد لا يقتضي تغيير نسبة الفعل إلى الأول بل زيادة عليه حكم آخر. و «لا» من هذا القبيل، فيجب علينا المحافظة على معناها مع بقاء الأول على معناه من غير تغيير و لا تخصيص و لا تقييد، و كأنّك قلت: قام إمّا زيد و إما غيره، لا زيد، و هذا لا يصحّ.
الشيء الثاني: أنّ مبنى كلام العرب على الفائدة، فحيث حصلت كان التركيب صحيحا، و حيث لم تحصل امتنع في كلامهم.
و قولك: «قام رجل لا زيد»، مع إرادة مدلول رجل في احتماله لزيد و غيره لا فائدة فيه البتّة، مع إرادة حقيقة العطف، أو يزيد على كونه لا فائدة فيه، و نقول: إنّه متناقض؛ لأنّه إن أردت الإخبار بنفي قيام «زيد» و الإخبار بقيام «رجل» المحتمل له و لغيره كان متناقضا، و إن أردت الإخبار بقيام رجل غير زيد، كان طريقك أن تقول:
غير زيد، فإن قلت: إنّ «لا» بمعنى «غير» لم تكن عاطفة، و نحن إنّما نتكلّم على العاطفة و الفرق بينهما أنّ التي بمعنى «غير» مقيّدة للأول مبيّنة لوصفه، و العاطفة