الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٥٠
و أقول: جوّز التنازع في هذا النحو جماعة منهم: أبو بكر بن طاهر [١] في (طرر الإيضاح)، و أبو الحسن بن الباذش [٢] في حواشيه، و نقله بعضهم عن الفارسي. و هو لازم لجماعة منهم الأستاذ أبو عليّ الشّلوبين- رحمهم اللّه تعالى- لأنهم أجازوا في قول اللّه سبحانه: وَ لَمَنْ صَبَرَ وَ غَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى: ٤٣] كون (من) موصولة مخبرا عنه ب فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ* و الرابط بينهما الإشارة إلى المصدر المفهوم من فعل الصّلة المقدّر إضافته إلى ضمير (من) أي: إنّ صبره و غفرانه، فقد جعلوا الارتباط حاصلا بالإشارة إلى المصدر المقدّر ارتباطه بالمبتدأ بمنزلة الإشارة إلى نفس المبتدأ في نحو: وَ لِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:
٢٦]، فيلزمهم في مسألتنا الارتباط بالضمير العائد على الغريم، لأنّه مرتبط بضمير المبتدأ بل تجويز هذا في مسألتنا أقيس من تجويزه في الآية الكريمة لوجهين:
أحدهما: أنّ الضمير هو الأصل في باب الرّبط فلا بعد في أن يكون التوسّع فيه أكثر.
و الثاني: أنّ باب التنازع تجوّزوا فيه في الإضمار، فأعادوا الضمير على ما تأخّر لفظا و رتبة نحو: «ضربوني و ضربت قومك»، و أعادوا فيه الضمير مفردا على المثنّى و المجموع فقالوا: «ضربني و ضربت قومك» على معنى: ضربني من ثمّ، كذا قدّره سيبويه [٣]. و لم يتجوّزا بذلك في باب المبتدأ، ألا ترى أنّه لا يجوز «صاحبها في الدّار» و لا «الزيدان قام» بمعنى: قام من ثمّ. و إذا انتفى ذلك ظهر أنّ مسألتنا أولى بالإجازة، ثمّ إنا إذا سلّمنا امتناع التنازع لما ذكروا نمنع تعميم المنع فنقول: تعليق المنع بكون المعمول سببيّا تعميم فاسد، لأنّهم أسندوا المنع لعدم الارتباط، و ذلك ليس موجودا في كلّ سببيّ على تقدير التّنازع فيه، لأنّه إذا كان العاملان متعاطفين بفاء السّببية، أو بواو العطف و هما مفردان، فإنّ الارتباط حاصل من جهة العاطف و إن فقد من جهة الضمير، لأنّ فاء السببيّة تنزل الجملتين كالجملة الواحدة لأنّهما سبب و مسبّب، و الواو في المفردات للجمع، لهذا أجازوا الاكتفاء بضمير واحد في نحو:
[١] أبو بكر بن طاهر: هو محمد بن أحمد بن طاهر الأنصاري الإشبيلي، المعروف بالخدبّ، نحويّ حافظ اشتهر بتدريس الكتاب و له على الكتاب طرر مدونة مشهورة اعتمدها تلميذه ابن خروف في شرحه، و له تعليق على الإيضاح، و غير ذلك. ترجمته في بغية الوعاة (١/ ٢٨).
[٢] أبو الحسن بن الباذش: هو علي بن أحمد بن خلف بن محمد الأنصاري الغرناطي، من مصنّفاته:
شرح كتاب سيبويه، و المقتضب، و شرح أصول ابن السرّاج، و شرح الإيضاح، و شرح الجمل، و شرح الكافي للنحاس. (ت ٥٢٨ ه). ترجمته في بغية الوعاة (٢/ ١٤٢).
[٣] انظر الكتاب (١/ ١٣٢).