الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٥٣
و أقول: هذا إنّما يتمشّى له في المتقدّم المرفوع فأمّا في المنصوب و المجرور فلا يتمشّى، فنحو: «زيدا ضربت و أكرمت» و نحو «بزيد مررت و اتّبعت» لم يقتض تعليله امتناع التّنازع فيه و اقتضاه تعميمه المنع، فالذي ينبغي ألّا يحكم بمنع التّنازع في المتقدّم مطلقا، بل بشرط كونه مرفوعا. و ينبغي أن يكون الفريقان في ذلك متّفقين على اختيار إعمال الأوّل لأنّه أسبق العاملين و أقربهما إلى المعمول.
و كذا لا يمتنع تنازع العاملين معمولا متوسطا بينهما كقولك: «إن تجد زيدا تؤدّب»، و هذه المسألة ينبغي أن يكون إعمال الأوّل فيها أرجح عند الجميع، لتساويهما في القرب، و فضّل الأوّل بالسّبق، و أنّ إعماله ينفي الإضمار قبل الذّكر. فهذا ما اقتضاه ظاهر الأمر عندي، و لست مبتدعا في ذلك بل متّبعا فقد نقل أبو حيّان إجازة التنازع في المتقدّم في تفسير سورة براءة، و أنّ بعضهم جعل منه بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨]، قال: و الأكثرون على منعه. و ذكر ابن هشام الخضراويّ في (شرح الإيضاح) عن أبي عليّ أنّه أجاز في قوله: [البسيط]
[٦٦٣]- [قد أوبيت كلّ ماء فهي طاوية]
مهما تصب أفقا من بارق تشم
أن يكون (أفقا) ظرفا ل (تشم)، و (بارقا) مفعول به منصوب ب (تشم) أيضا، و (من) زائدة لأنّ الكلام غير إيجاب لتقدّم الشّرط، و مفعول (تصب) محذوف، أي: مهما تصبه، و الهاء عائدة على البارق أو الأفق. قال ابن هشام [١]: «و هذا من تنازع العاملين مع التوسّط و قلّما يذكره النحويّون» انتهى. و الحقّ أولى بالاتّباع من الوقوف مع قول الجمهور فإنّهم ذكروا علّة لم يظهر اطّرادها.
شاهدت بخطّ الإمام العلّامة ركن الدّين أبي عبد اللّه محمّد الشهير بابن القوبع- رحمه اللّه-: [الخفيف]
أبلغ العالمين عنّي بأنّ
كلّ علم تصوّر و قياس
قد كشفت الأشياء بالعقل حتّى
ظهرت لي فليس فيها التباس
و عرفت الرّجال بالعلم لمّا
عرف العلم بالرجال الناس
[٦٦٣] - الشاهد لساعدة بن جؤية في خزانة الأدب (٨/ ١٦٣)، و الدرر (٥/ ٧٠)، و شرح أشعار الهذليين (٣/ ١١٢٨)، و شرح شواهد الإيضاح (ص ١٥٠)، و شرح شواهد المغني (١/ ١٥٧)، و لسان العرب (أبي)، و (صوي)، و بلا نسبة في خزانة الأدب (٩/ ٢٦)، و مغني اللبيب (١/ ٣٣٠)، و همع الهوامع (٢/ ٥٧).
[١] يريد ابن هشام الخضراوي.