الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٠٧
فالأول: ما الفرق بين الاستطعام و الضّيافة؟ فإن قلت: إنّهما بمعنى، قلت: فلم خصّصهما بالاستطعام، و الأهل بالضّيافة.
و الثاني: لم قال: (فأبوا) دون (فلم) مع أنّه أخصر؟
و الثالث: لم قال: أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ دون (أتيا قرية،) و العرف بخلافه؟
تقول: أتيت إلى الكوفة دون (أهل الكوفة)، كما قال تعالى: ادْخُلُوا مِصْرَ [يوسف: ٩٩].
و الجواب عن الأوّل: أنّ الاستطعام وظيفة السائل، و الضّيافة وظيفة المسؤول؛ لأنّ العرف يقضي بذلك، فيدعو المقيم إلى منزله القادم: يسأله و يحمله إلى منزله.
و عن الثاني: بأنّ في الإباء من قوّة المنع ما ليس في (فلم)، لأنّها تقلب المضارع إلى الماضي و تنفيه، فلا يدلّ على أنّهم لم يضيّفوهم في الاستقبال، بخلاف الإباء المقرون بأن، فإنّه يدل على النفي مطلقا. و آية: وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ [التوبة: ٣٢] أي حالا و استقبالا.
و عن الثالث: أنّه مبنيّ على أن مسمّى القرية ما ذا؟ أهو الجدران و أهلها معا حال كونهم فيها، أم هي فقط؟ أم هم فقط؟ و الظاهر عندي أنّه يطلق عليها مع قطع النظر إلى وجود أهلها و عدمهم، بدليل قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها [البقرة: ٢٥٩]. سمّاها قرية و لا أهل و لا جدار قائما، و لعدم تناول لفظ القرية إياهم في البيع إذا كانت القرية و أهلها ملكا للبائع، و هم فيها حالة البيع. و لو كان الأهل داخلين في مسمّاها لدخلوا في البيع؛ و لثبوت المغايرة بين المضاف و المضاف إليه. و إنّما ذكر الأهل لأنّه هو المقصود من سياق الكلام دون الجدران، لأنّه بمعرض حكاية ما وقع منهم من اللّؤم.
فإن قلت: فما تصنع بقوله تعالى: وَ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها [القصص: ٥٨]، وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ [الأعراف: ٤]، وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً ... [النحل: ١١٢] إلى آخره، وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢]، فإنّ المراد في هذه الآيات و أمثالها الأهل.
قلت: هو من باب المجاز لأنّ الإهلاك إنّما ينسب إليهم دونها، بدليل:
أَوْ هُمْ قائِلُونَ [الأعراف: ٤]، فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ [النحل:
١١٢]، و بَطِرَتْ مَعِيشَتَها [القصص: ٥٨] و لاستحالة السؤال من غير الأهل.
على أنّا نقول: لو تصوّر وقوع الهلاك على نفس القرية بالخسف و الحريق و الغرق و نحوه لم تتعيّن الحقيقة لما ذكرناه و اللّه أعلم.