الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٥٢
الجواب مرتّب على مقدّمات:
أحدها: أنّ حرف لو المسؤول عنها من أدوات الشرط و أنّ الشرط يقتضي جملتين، إحداهما شرط و الأخرى جزاء و جواب، و ربّما سمّي المجموع شرطا و سمّي أيضا جزاء، و يقال لهذه الأدوات الجزاء، و العلم بهذا كله ضروريّ لمن كان له عقل و علم بلغة العرب، و الاستعمال على ذلك أكثر من أن يحصر، كقوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّهُمْ قالُوا: سَمِعْنا وَ أَطَعْنا وَ اسْمَعْ وَ انْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَ أَقْوَمَ [النساء: ٤٦]، وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [النساء: ٦٤]، وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا [الأنفال: ٢٣]، وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: ٢٨]، لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا [التوبة: ٤٧]، وَ لَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ النَّبِيِّ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ [المائدة: ٨١].
الثانية: أنّ هذا الذي يسمّيه النحاة شرطا هو في المعنى سبب لوجود الجزاء، و هو الذي يسمّيه الفقهاء علّة و مقتضيا و موجبا و نحو ذلك، فالشرط اللفظي سبب معنوي فتفطّن لهذا، فإنّه موضع غلط فيه كثير ممّن يتكلّم في الأصول و الفقه، و ذلك أنّ الشرط في عرف الفقهاء و من يجري مجراهم من أهم الكلام و الأصول و غيرهم هو ما يتوقّف تأثير السبب عليه بعد وجود المسبب، و علامته أنّه يلزم من عدمه عدم المشروط، و لا يلزم من وجوده وجود المشروط، ثم هو منقسم إلى ما عرف كونه شرطا بالشرع كقولهم: الطّهارة و الاستقبال و اللباس شرط لصحة الصلاة، و العقل و البلوغ شرط لوجوب الصلاة، فإنّ وجوب الصلاة على العبد يتوقف على العقل و البلوغ، كما تتوقّف صحّة الصلاة على الطهارة و السّتارة و استقبال القبلة، إن كانت الطهارة و السّتارة أمورا خارجة عن حقيقة الصلاة، و لهذا يفرّقون بين الشرط و الرّكن بأنّ الرّكن جزء من حقيقة العبارة أو العقد، كالركوع و السجود و كالإيجاب و القبول، و بأنّ الشرط خارج عنه، فإنّ الطهارة يلزم من عدمها عدم صحة الصلاة و لا يلزم من وجودها وجود الصلاة، و تختلف الشروط في الأحكام باختلافها، كما يقولون في باب الجمعة: منها ما هو شرط للوجوب بنفسه و منها ما هو شرط للوجوب بغيره، و منها ما هو شرط للإجزاء دون الصحة، و منها ما هو شرط للصحة، و كلام الفقهاء في الشروط كثير جدّا، لكن الفرق بين السبب و الشرط و عدم المانع إنّما يتمّ على قول من يجوّز تخصيص العلة منهم، و أمّا من لا يسمّي علّة إلّا ما استلزم من الحكم و لزم من وجودها وجوده على كل حال فهؤلاء يجعلون الشرط و ضد المانع من جملة أجزاء