الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٩٦
و الثاني: أن تكون موصولة و المراد بها المصدر، و بعض النحاة يقدّرها هكذا.
في كل مكان أريد بها المصدر فيه، و ينكر جعلها مصدرية و إن كان المشهور خلافه.
و على هذين التقديرين الدّلالة من الآية لأهل السنة ظاهرة جدا.
و الثالث: أن تكون موصولة، و المراد بها المنحوت بقيد النحت، و فيه جهتان:
ذاته، و لم يعبد من جهتها، و صنعته و هي التي عبد من جهتها، و هي مخلوقة للّه تعالى بمقتضى الآية، و دلّت الآية على أنّها معمولة لهم. فإن ثبت أنّ الصورة الحاصلة في الصنم معمولة للآدمي وقعت الدّلالة لأهل السنة من الآية و إلا تعين أن يكون العمل نفسه فتصح الدّلالة لأهل السنة. و الراجح من هذين الأمرين سنذكره.
الخامس: الصورة الحاصلة في المراد على قسمين:
أحدهما: ما لا أثر لفعل العباد فيه البتّة، بل هو من فعل اللّه تعالى وحده إمّا بلا سبب من العبد، و إمّا بسبب منهم يحاولونه، فيوجد اللّه تعالى تلك الصورة عنده و ذلك هو الصور الطبيعية، و هي كالذوات فلا يقال إنّها مفعولة للعباد البتّة.
و الثاني: ما هو أثر صنعة العبد، و هي الصور الصناعية. و من أمثلة ذلك الصورة الحاصلة في الصنم بنحت العباد و تصويرهم؛ هل تقول إنّ تلك الصورة معمولة للعباد أو للّه تعالى؟ و لا شكّ أنّ على مذهب أهل السنة لا تردّد في ذلك؛ فإنّ الكلّ بفعل اللّه تعالى؛ و إنّما التردد على مذهب المعتزلة، أو بالاضافة الكسبية على مذهب أهل السنة. و الحق أنّ ذلك ليس من فعل العباد و لا من كسبهم، فإنّ القدرة الحادثة لا تؤثّر في غير محلّها، فإذا قلنا: صوّر المشرك الصنم لم يكن من فعل المشرك إلّا التصوير القائم به، و الصورة الناشئة عنه من فعل اللّه تعالى، فلا يقال فيها إنّها معمولة للعباد إلّا على جهة المجاز، و إنّما يقال هي مصوّرة كما يقال في زيد المتعلق به الضرب: إنّه مضروب. و إذا قلنا عمل المشرك الصنم ففي الكلام مجاز بخلاف قولنا صوّر المشرك الصنم. و سببه أنّ (عمل) فعل عامّ، و (صوّر) فعل خاصّ، و سيأتي الفرق بين الأفعال الخاصة و العامة. فقولنا: (عمل) يقتضي أنّ الضّم معمول لمن أسند إليه الفعل، و ليس شيء من الصّنم لا من مادّته و لا من صورته فعلا للعبد، و لا من عمله؛ فكيف يكون مجموعه من عمله!! فلا بدّ من مجاز (١)، و في جهة المجاز وجوه:
أحدها: أن يكون استعمل (عمل) في معنى (صوّر) استعمالا للأعمّ في الأخصّ.
الثاني: أن يكون على حذف مضاف، كأنّه قال: عمل تصوير الصنم؛ فلا يكون التصوير على هذا مفعولا به، بل مصدرا. و هذان الوجهان هما أقرب الوجوه التي خطرت لنا، فلنقتصر عليهما، و بالثاني يقوى أنّ المراد في قوله: «و ما تعملون التصوير» فيكون حجة لأهل السنة.