الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٩٢
منه محال؛ و إذا كان اللازم محالا فملزومه كذلك. فثبت أنّ الخلق هو المخلوق.
و إنّما جاء الوهم لهذه الطائفة من جهة أنهّم لم يعهدوا في الشّاهد مصدرا إلّا و هو غير جسم، فتوهّموا أنّه لا مصدر إلّا كذلك، فلمّا جاءت هذه أجساما استبعدوا مصدريّتها لذلك، و رأوا تعلّق الفعل بها فحملوه على المفعول به. و لو نظروا حقّ النّظر لعلموا أنّ اللّه تعالى يفعل الأجسام كما يفعل الأعراض، فنسبتها إلى خلقه واحدة، فإذا كان كذلك، و كان معنى المصدر ما ذكرناه وجب أن تكون مصادر.
و ليست هذه المسألة وحدها بالذي حملوا فيها أمر الغائب على الشاهد، بل أكثر مسائلهم التي يخالفون فيها كمسألة الرؤية، و عذاب القبر و أشباهها.
إعراب (صالحا) في قوله تعالى وَ اعْمَلُوا صالِحاً
و قد ألّف الشيخ تقيّ الدّين السّبكيّ [١] في هذه المسألة كتابا سمّاه «بيان المحتمل في تعدية عمل» قال: بسم اللّه الرحمن الرحيم:
سألت وفّقك اللّه عن قولي في إعراب قوله تعالى: وَ اعْمَلُوا صالِحاً [سبأ:
١١]: إنّ (صالحا) ليس مفعولا به، بل هو إمّا نعت لمصدر محذوف كما يقوله أكثر المعربين في أمثاله، و إمّا حال كا هو المنقول عن سيبويه، و يكون التقدير: و اعملوه صالحا، و الضمير للمصدر. و ذكرت أنّ كثيرا من الناس استنكر قولي في ذلك و قالوا:
إنّ (عمل) من الأفعال المتعدّية بدليل قوله تعالى: أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ [سبأ:
١١]، و قوله تعالى: يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ [سبأ: ١٣].
فاعلم وفّقك اللّه أنّك إذا تدبّرت ما أقوله انحلّت عنك كلّ شبهة في ذلك، و علمت أنّ استنكارهم لذلك مسارعة إلى ما لم يحيطوا بعلمه، و غيبة عن معاني كلام النّحاة و أدلّة العقل، و بيان ذلك بأمور:
أحدها: أنّ الفعل المتعدّي هو الذي يكون له مفعول به، و المفعول به هو محلّ فعل الفاعل، و إن شئت قلت: الذي يقع عليه فعل الفاعل؛ و كلتا العبارتين موجود في كلام النحاة. و هذا المفعول به هو الذي بنى النحاة له اسم مفعول كمضروب و مأكول و مشروب؛ فزيد المضروب و الخبز المأكول و الماء المشروب هي محلّ تلك
[١] علي بن عبد الكافي بن سليم السبكيّ: تقيّ الدين أبو الحسن الفقيه الشافعي المفسّر النحوي اللغوي المقرئ، صنّف نحو مائة و خمسين كتابا مطوّلا و مختصرا منها: تفسير القرآن، و شرح المنهاج في الفقه، و كشف القناع في إفادة «لو لا» الامتناع، و غيرها كثير (ت ٧٥٥ ه). ترجمته في: بغية الوعاة (٢/ ١٧٦).