الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٨٥
و قد استعمل ذلك الإمام أبو بكر بن دريد- رحمه اللّه- في مقصورته حيث يقول: [الرجز]
[٦٢٦]- فإن عثرت بعدها إن و ألت
نفسي من هاتا فقولا لا لعا
و إذ قد عرفت صورة المسألة و ما فيها من الخلاف، و أنّ الصحيح جوازها، فاعلم أنّ المجيزين لها اختلفوا في تحقيق ما يقع به مضمون الجواب الواقع بعد الشّرطين على ثلاثة مذاهب فيما بلغنا:
أحدها: أنّه إنّما يقع بمجموع أمرين، أحدهما: حصول كلّ من الشّرطين، و الآخر: كون الشّرط الثاني واقعا قبل وقوع الأوّل، فإذا قيل: «إن ركبت إن لبست فأنت طالق».
فإن ركبت فقط، أو لبست فقط، أو ركبت ثمّ لبست لم تطلق فيهنّ؛ و إن لبست ثمّ ركبت طلقت. هذا قول جمهور النحويّين و الفقهاء. و قد اختلف النحويّون في تأويله على قولين:
أحدهما: قول الجمهور: أنّ الجواب المذكور للأوّل، وجوب الثاني محذوف لدلالة الأوّل و جوابه عليه. الدليل على أنّ الشّرط الأوّل و جوابه يدلّان على جواب الشّرط يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ [يونس: ٨٤]، فهذا بتقدير: إن كنتم مسلمين فإن كنتم آمنتم باللّه فعليه توكّلوا، فحذف الجواب لدلالة ما تقدّم عليه، و هذا القول من الحسن بمكان، لأنّ القاعدة أنّه إذا توارد- في غير مسألتنا- على جواب واحد شيئان كلّ منهما يقتضي جوابا، كان الجواب المذكور للأوّل، كقولك: «و اللّه إن تأتني لأكرمنّك»- بالتّأكيد- جوابا للأوّل، و «و إن تأتني و اللّه أكرمك»- بالجزم- جوابا للشّرط. و كذا القياس يقتضي في مسألة توارد شرط على شرط أن يكون الجواب للسابق منهما، و يكون جواب الثاني محذوفا لدلالة الأوّل و جوابه عليه، فمن ثمّ لزم في وقوع المعلّق- على ذلك- أن يكون الثاني واقعا قبل الأوّل ضرورة لأنّ الأوّل قائم مقام الجواب، حتى إنّ الكوفيّين و أبا زيد و المبرّد- رحمهم اللّه- يزعمون في نحو «أنت ظالم إن فعلت» [١] أنّ السابق على الأداة هو الجواب لا دليل على الجواب، الجواب لا بدّ من تأخّره على الشّرط لأنّه أثره و مسبّبه، فكذلك الدليل على الجواب، لأنه قائم مقامه و مغن في اللفظ عنه.
[٦٢٦] - الشاهد لابن دريد في مقصورته شرح التبريزي (ص ٥٢)، و المغني (ص ٦٨٠)، و الخزانة (٤/ ٥٤٨).
[١] انظر الكتاب (٣/ ٩١)، و المغني (ص ٦٨٧)، و الخصائص (١/ ٢٨٣).