الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٨٣
اعتراض الشّرط على الشّرط، أنّ ذلك لا يكون في أكثر من شرطين، و ليس كذلك، و لا هو مرادهم. و لنحقّق أوّلا الصورة التي يقال فيها في اصطلاحهم: اعتراض الشّرط على الشّرط- فإن ذلك ممّا يقع فيه الالتباس و الغلط؛ فقد وقع ذلك لجماعة من النّحاة و المفسّرين- ثمّ تكلّم على البحث في ذلك و الخلاف في جوازه و توجيهه.
فنقول: ليس من اعتراض الشّرط على الشّرط واحدة من هذه المسائل الخمس التي سنذكرها:
أحدها: أن يكون الشّرط الأوّل مقترنا بجوابه، ثمّ يأتي الشّرط الثاني بعد ذلك، كقوله سبحانه: يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ [يونس: ٨٤] خلافا لمن غلط فيه فجعله من الاعتراض. و قائل هذا من الحقّ على مراحل؛ لأنّه إذا ذكر جواب الأوّل تاليا له، فأيّ اعتراض هنا؟
الثّانية: أن يقترن الثّاني بفاء الجواب لفظا نحو: إن تكلّم زيد فإن أجاد فأحسن إليه؛ لأنّ الشّرط الثاني و جوابه جواب الأوّل.
الثالثة: أن يقترن بها تقديرا نحو فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ [الواقعة:
٨٨]، خلافا لمن استدلّ بذلك على تعارض الشّرطين، لأنّ الأصل عند النّحاة: مهما يكن من شيء فإن كان المتوفّى من المقرّبين فجزاؤه روح، فحذفت (مهما) و جملة شرطها، و أنيبت عنها (أمّا) فصار: (أمّا فإن كان). ففرّوا من ذلك لوجهين:
أحدهما: أنّ الجواب لا يلي أداة الشّرط بغير فاصل.
و الثّاني: أنّ الفاء في الأصل للعطف، فحقّها أن تقع بين شيئين، و هما المتعاطفان، فلمّا أخرجوها في باب الشّرط عن العطف، حفظوا عليها المعنى الآخر، و هو التوسّط موجوب أن يقدّم شيء ممّا في حيّزها عليها إصلاحا للّفظ. فقدّمت جملة الشّرط الثّاني لأنّها كالجزء الواحد؛ كما قدّم المفعول في فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى: ٩]، فصار: أمّا إن كان من المقرّبين فروح، فحذفت الفاء التي هي جواب (إن)، لئلا تلتقي فاءان. فتلخّص أنّ جواب (أمّا) ليس محذوفا، بل مقدّما بعضه على الفاء، فلا اعتراض.
الرابعة: أن يعطف على فعل الشّرط شرط آخر كقوله سبحانه و تعالى: وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَ لا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا [محمد: ٣٦- ٣٧]، و يفهم من كلام ابن مالك أنّ هذا من اعتراض الشّرط على الشّرط، و ليس بشيء.