الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٣٧
لا كليا له أفراد، كما فصلنا سابقا في مثال الياقوتة حيث أوردنا الكلام على العلّامة التفتازاني فلا نحتاج إلى الإعادة، و ظنّي أنّ منشأ كلام العلّامة التفتازاني ليس إلّا كلام الفاضل الطيّبي، تأمّل و تدبّر.
و قد يجاب بوجوه أخر في غاية الضّعف و نهاية الزّيف، أوردها العلّامة التفتازاني في شرح الكشاف و بيّن ما فيها، رأينا أن ننقلها على ما هي عليها استيعابا للأقوال، و ليكون للمتأمّل في هذه الآية زيادة بصيرة:
«الأوّل: أنّه إذا تعلّه ب (فأتوا) فمن للابتداء قطعا، إذ لا مبهم يبيّن، و لا سبيل إلى البعضية لأنه لا معنى لإتيان البعض، و لا مجال لتقدير الباء مع «من»، كيف و قد ذكر المأتيّ به صريحا و هو السورة؟ و إذا كانت «من» للابتداء تعيّن كون الضمير للعبد لأنّه المبدأ للإتيان لا مثل القرآن، و فيه نظر لأنّ المبدأ الذي تقتضيه من الابتدائية ليس الفاعل حتى ينحصر مبدأ الإتيان بالكلام في المتكلّم، على أنّك إذا تأمّلت فالمتكلّم ليس مبدأ للإتيان بكلام غيره بل بكلام نفسه، بل معناه أنّه يتصل به الأمر الذي اعتبر له ابتداء حقيقة أو توهّما، كالبصرة للخروج و القرآن للإتيان بسورة منه.
الثاني: أنّه إذا كان الضمير لما نزلنا و من صلة فأتوا كان المعنى: فأتوا من منزّل مثله بسورة، فكان مماثلة ذلك المنزّل بهذا المنزّل هو المطلوب، لا مماثلة سورة واحدة منه بسورة من هذا، و ظاهر أنّ المقصود خلافه كما نطقت به الآي الأخر، و فيه نظر لأنّ إضافة المثل إلى المنزّل لا تقتضي أن يعتبر موصوفه منزّلا، ألا ترى أنّه إذا جعل صفة سورة لم يكن المعنى بسورة من منزّل مثل القرآن بل من كلام العرب، و كيف يتوهم ذلك و المقصود تعجيزهم عن أن يأتوا من عند أنفسهم بكلام من مثل القرآن؟ و لو سلم فما ادّعاه من لزوم خلاف المقصود غير بيّن و لا مبيّن.
الثالث: أنّها إذا كانت صلة فأتوا كان المعنى: فأتوا من عند المثل، كما يقال:
ائتوا من زيد بكتاب، أي: من عنده، و لا يصحّ ائتوا من عند مثل القرآن بخلاف مثل العبد، و هذا أيضا بيّن الفساد» انتهى.
و قد ألهمت بحلّ الكلام في فناء بيت اللّه الحرام ما إذا تأمّلت فيه عسى أن يتّضح المرام، فأقول و باللّه التوفيق و بيده أزمّة التحقيق: إنّ الآية الكريمة ما أنزلت إلا للتحدي، و حقيقة التحدي هو طلب المثل ممّن لا يقدر على الإتيان به، فإذا قال المتحدّي: ائتوا بسورة بدون قوله: من مثله، كلّ أحد يفهم منه أنّه يطلب سورة من مثل القرآن، و إذا قال: ائتوا من مثله بدون قوله بسورة كل أحد يفهم منه أنه يطلب