الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٣٣
منه بشيء» يفهم منه أنّه اعتبر مثل القرآن كلا له أجزاء، و رجع التعجيز إلى الإتيان بجزء منه، و لهذا مثّل بقوله: ائت من مثل الحماسة ببيت، فكان مثل الحماسة كتابا أمر بالإتيان ببيت منه على سبيل التعجيز، و إذا كان الأمر على هذا النّمط فلا شكّ أنّ الذّوق يحكم بأنّ تعلّق من مثله بالإتيان يقتضي وجود المثل و رجوع العجز إلى أن يؤتى بشيء منه، و أمّا إذا جعلنا مثل القرآن كليّا يصدق على كلّه و بعضه و على كلّ كلام يكون في طبقة البلاغة القرآنية فلا نسلّم أنّ الذّوق يشهد بوجود المثل و رجوع العجز إلى أن يؤتى منه بشيء، بل الذوق يقتضي أن لا يكون لهذا الكليّ فرد غير القرآن، و الأمر راجع إلى الإتيان بفرد آخر من هذا الكليّ على سبيل التعجيز، و مثل هذا يقع كثيرا في محاورات الناس، مثلا إذا كان عند رجل ياقوتة ثمينة في الغاية قلّما يوجد مثلها يقول في مقام التصلّف: من يأتي من مثل هذه الياقوتة بياقوتة أخرى؟ و الناس يفهمون منه أنّه يدّعي أنّه لا يوجد آخر من نوعه، فظهر أنّه على هذا التقدير لا يلزم من تعلّق «من مثله» بقوله: فأتوا أن يكون مثل القرآن موجودا، فلا محذور.
و أمّا المثال المقيس عليه أعني قوله: ائت من مثل الحماسة ببيت، فنقول:
هذا لا يطابق الغرض، فإنّ الحماسة إنما تطلق على مجموع الكتاب، فلا بدّ أن يكون مثله كتابا آخر أيضا، و حينئذ يلزم المحذور، و أمّا القرآن فإنّ له مفهوما كليّا يصدق على كلّ القرآن و أبعاضه و أبعاض أبعاضه إلى حدّ لا تزول عنه البلاغة القرآنية، و حينئذ يكون الغرض منه المفهوم الكليّ، و هو نوع من أنواع الكلام البليغ فرده القرآن و قد أمر بإتيان فرد آخر من هذا النوع فلا محذور.
قال في شرحه (المختصر على التلخيص)، في معرض الجواب عن هذا السؤال:
قلت لأنّه يفتقر إلى ثبوت مثل القرآن في البلاعة و علو الطبقة بشهادة الذوق، إذ العجز إنما يكون عن المأتي به، فكان مثل القرآن ثابتا، لكنّهم عجزوا عن أن يأتوا منه بسورة، بخلاف ما إذا كان وصفا للسورة، فإنّ المعجوز عنه هو السورة الموصوفة باعتبار انتفاء الوصف، فإن قلت: فليكن العجز باعتبار المأتي به، قلت: احتمال عقلي لا يسبق إلى الفهم و لا يوجد له مساغ في اعتبارات البلغاء و استعمالاتهم، فلا اعتداد به. انتهى كلامه.
و أقول: لا يخفى أنّ كلامه هاهنا مجمل ليس نصّا فيما قصد به في كلامه في شرح الكشاف، و حينئذ نقول: إن أراد بقوله: «إذ العجز إنما يكون عن المأتي به فكان مثل القرآن ثابتا» أن العجز باعتبار المأتي به مستلزم أن يكون مثل القرآن