الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٣٢
منها تلويحا، حيث سكت عنها، و هي أن يكون الظرف متعلّقا ب (فأتوا) و الضمير لما نزّلنا، و لمّا كانت علّة عدم التجويز خفيّة استشكل خاتم المحققين عضد الملة و الدين و استعلم من علماء عصره بطريق الاستفتاء، و هذه عبارته نقلناها على ما هي عليه تبرّكا بشريف كلامه: «يا أدلّاء الهدى و مصابيح الدّجى، حيّاكم اللّه و بيّاكم، و ألهمنا الحقّ بتحقيقه و إيّاكم، ها أنا من نوركم مقتبس و بضوء ناركم للهدى ملتمس، ممتحن بالقصور لا ممتحن ذو غرور، ينشد بأطلق لسان و أرقّ جنان [١]:
[المتقارب]
ألا قل لسكّان وادي الحمى
هنيئا لكم في الجنان الخلود
أفيضوا علينا من الماء فيضا
فنحن عطاش و أنتم ورود
قد استبهم قول صاحب (الكشاف) أفيضت عليه سجال الألطاف: من مثله متعلّق بسورة صفة لها أي: بسورة كائنة من مثله، و الضمير لما نزّلنا أو لعبدنا، و يجوز أن يتعلق بقوله: فأتوا و الضمير للعبد» حيث جوّز فى الوجه الأول كون الضمير لما نزّلنا تصريحا، و حظره في الوجه الثاني تلويحا، فليت شعري ما الفرق بين «فأتوا بسورة كائنة من مثل ما نزّلنا»، و هل ثمّ حكمة خفيّة أو نكتة معنوية أو هو تحكّم بحت؟ بل هذا مستبعد من مثله فإن رأيتم كشف الريبة و إماطة الشبهة و الإنعام بالجواب، أثبتم أجزل الأجر و الثواب».
ثم كتب الفاضل الجاربردي في جوابه كلاما معقّدا في غاية التعقيد، لا يظهر معناه و لا يطّلع أحد على مغزاه، رأينا أنّ إيراده في أثناء البحث يشتّت الكلام و يبعد المرام، فأوردناه في ذيل المقصود مع ما كتب في ردّه خاتم المحققين.
و قال العلامة التفتازاني في شرحه (للكشاف): الجواب أنّ هذا أمر تعجيز باعتبار المأتيّ به، و الذّوق شاهد بأنّ تعلّق «من مثله» بالإتيان يقتضي وجود المثل و رجوع العجز إلى أن يؤتى منه بشيء، و مثل النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم في البشرية و العربية موجود بخلاف مثل القرآن في البلاغة و الفصاحة، و أمّا إذا كان صفة للسورة فالمعجوز عنه هو الإتيان بالسورة الموصوفة و لا يقتضي وجود المثل، بل ربّما يقتضي انتفاءه حيث يتعلّق به أمر التعجيز، و حاصله أنّ قولنا: ائت من مثل الحماسة ببيت يقتضي وجود المثل بخلاف قولنا: ائت ببيت من مثل الحماسة، انتهى كلامه.
و أقول: لا يخفى أنّ قوله: «يقتضي وجود المثل و رجوع العجز إلى أن يؤتى
[١] مرّ الشاهد رقم (٥٨٢) .