الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٨٤
ظرفين، لا يقال: زيد قائم يوم الجمعة يوم الخميس، و لا يجوز أن يعمل عامل واحد في حالين و لا ظرفين إلّا أن يتداخلا، و يصحّ الجمع بينهما نحو: «زيد مسافر يوم الخميس ضحوة»، و «سرت راكبا مسرعا لدخول الضحوة في اليوم، و الإسراع في السّير و تضمّنه له. و لا يجوز: «سرت مسرعا مبطئا» لاستحالة الجمع بينهما. فكذا يستحيل أن يعمل في «بسرا» و «رطبا» عامل واحد لأنّهما غير متداخلين.
فالجواب: أنّ العامل في الحالين متعدّد لا متّحد، فالعامل في الأوّل ما في «أطيب» من معنى الفعل، و في الثاني معنى التمييز و الانفصال منه بزيادة في تلك الصّفة، و هو الذي تضمّنه معنى «أفعل» و تعلّق به حرف الجرّ؛ لأنّك إذا قلت: «هذا أطيب من هذا»، تريد: أنّه طاب و زاد طيبة عليه. و عبّر عن هذا طائفة بأن قالوا: أفعل التفضيل في قوّة فعلين، فهو عامل في «بسر» باعتبار «طاب»، و في «رطب» باعتبار «زاد»؛ حتّى لو فككت ذلك لقلت: هذا زاد بسرا في الطيب على طيبه في حال كونه رطبا، و كان المعنى المطلوب مستقيما.
السؤال الرابع: إذا كان العامل أفعل التفضيل لزم تقديم معموله عليه و الاتّفاق على منعه.
و الجواب من وجهين:
أحدهما: لا نسلّم المنع، و دعوى الاتّفاق غير صحيح؛ فإنّ بعض النّحاة جوّزه لقوله: [الطويل]
[٧٧٥]- [فقالت لنا أهلا و سهلا و زوّدت
جنى النحل] أو ما زوّدت منه أطيب
الثاني: سلّمناه إلّا أنّه خاصّ ب «منك» لا يتعدّى إلى الحال و الظرف، و ذلك لأنّ «منك» في معنى المضاف إليه على ما تقرّر في بابه، فكره تقديمه على ما هو كالمضاف، و لا يلزم من ذلك امتناع تقديم معمول ليس مثله.
و جواب ثالث: و هو أنّهم إذا فضّلوا الشيء على نفسه باعتبار حالين فلا بدّ من تقديم أحدهما على العامل، و إن كان ممّا لا يسوغ تقديمه لو لم يكن كذلك؛ و كذا إذا فضّلوا ذاتين باعتبار حالين قدّموا أحدهما على العامل، و قد قالوا: «زيد قائما كعمرو قاعدا». فإذا جاز تقديم هذا المعمول على كاف التشبيه التي هي أبعد في العمل من باب أفعل فتقديم معمول أفعل أجدر.
[٧٧٥] - الشاهد للفرزدق في خزانة الأدب (٨/ ٢٦٩)، و الدرر (٥/ ٢٩٦)، و شرح المفصّل (٢/ ٦٠)، و المقاصد النحوية (٤/ ٤٣)، و تذكرة النحاة (ص ٤٧)، و شرح الأشموني (٢/ ٣٨٩)، و شرح ابن عقيل (ص ٤٦٨)، و شرح عمدة الحافظ (ص ٧٦٦)، و همع الهوامع (٢/ ١٠٤).