الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٨
معاند، أو ما كانوا يهذبون إلى درر فوائده من كلّ فجّ عميق، و يجتمعون على اجتلاب درر مباحثه فريقا بعد فريق؟ و ما أحسن قول من قال: [الكامل]
٥٩٦- و جحود من جحد الصّباح إذا بدا
من بعد ما انتشرت له الأضواء
ما دلّ أنّ الفجر ليس بطالع
بل إنّ عينا أنكرت عمياء
و أمّا قولك: «تاسعا: البليغ من عدّت هفواته و الجواد من حصرت عثراته إلى آخر ما هذيت» فالجواب عنه: حاشا أن تكون من البلغاء الذين تكون هفواتهم معدودة، أو من الجواد الذي تكون عثراته محصورة، فإنّك قد عثّرت في هذا السؤال و الجواب تعثيرا كثيرا كما ترى، و لو لا دعدعتنا لك لبقيت عاثرا أبدا، و قد قيل:
[الطويل]
[٥٩٧]- لحى اللّه قوما لم يقولوا لعاثر
و لا لابن عمّ كبّه الدّهر دعدعا
بل أنت كما قال الشاعر [١]: [الطويل]
فضول بلا فضل و سنّ بلا سنا
و طول بلا طول و عرض بلا عرض
و أمّا قولك: «عاشرا: أظنّك قد غرّك رهط احتفّوا من حولك، و ألقوا السّمع إلى قولك إلى الآخر» فالجواب: أنّ هذا ظنّ فاسد، قد نشأ من سوء فهمك و خطأ قياسك لأنّك قسته على نفسك، و الأمر على عكس ذلك، لأنّك قد ركبت الشّطط و الأهوال، و بذلت العمر و الأموال حتى اجتمع عندك جمع من الفسقة الجهّال، لا يعرفون الحلال من الحرام، و لا يميزون الجواب من السؤال، يعظّمونك في الخطاب، و يصدّقونك في الغياب، يمثلونك بذوي الرقاب فقل باللّه قولا صادقا، هل تقدّمت في مدّة حياته في مجالس التدريس و حلق المناظرة؟ و هل عليك للعلم جمال و أبّهة؟
أو ما كنت بالعامة مشتبه و بالأتراك معتده؟ يجرّونك إلى كل بلد سحيق و يرمونك في كلّ فجّ عميق، و هلّا سفّهت رأي مخدومك محمد بن الرشيد وزير السلطان أبي سعيد حين بني باسمه المدرسة الحجرية في الرّبع الرّشيدية، و حضرت بين يديه يوم الإجلاس صامتا كالبرمة عند الهرّاس و فقدت الحواس و كنت كالوسواس الخنّاس الذي يوسوس في صدور الناس، فنعوذ باللّه من أمثالك من الجنّة و الناس، و أمّا الذين اجتمعوا عند والدي و اشتغلوا عليه و تمثّلوا بين يديه فهم العلماء الأبرار و الصّلحاء
[٥٩٧] - الشاهد بلا نسبة في لسان العرب (دعع)، و المخصص (١٢/ ١٨٨)، و تاج العروس (دعع)، و شرح المفصّل (٤/ ٣٤)، و المخصص (١٢/ ١٨٨).
[١] انظر حاشية مقامات الحريري (ص ٤٣٥).