الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٥١
من الرّقاق و لذلك لم يذكره المزّي في الأطراف. و رواه مسلم في آخر الكتاب كما في الرّقاق بدون هذه اللّفظة المذكورة في السؤال، فقد يكون في غير الصحيحين. و في مسند أحمد: «إلّا أنّ حولنا أهل دور من الأنصار جزاهم اللّه خيرا» [١]. و في ابن ماجه عن أبي سلمة عن عائشة «.. غير أنّه كان لنا جيران من الأنصار جيران صدق» [٢].
و أمّا السؤال الرابع: فجوابه أنّ (جعل) إن كانت بمعنى (خلق) فهما حالان، و يجوز تعدّد الحال و صاحبها مفرد نحو: «جاء زيد راكبا ضاحكا». و إن كانت بمعنى (صيّر) فقوله (سميعا) مفعول ثان. و كذلك «بصيرا» لأنّهما خبران في الأصل فجاز جعل كلّ منهما مفعولا ثانيا، و يجوز تعدّد خبر المبتدأ، فكذلك يجوز تعدّد خبر ما دخل عليه ناسخ الابتداء، ثم يعرب كلّ واحد منهما مفعولا ثانيا. و قد قال ابن مالك في التّسهيل «باب الأفعال الداخلة على المبتدأ و الخبر، الداخل عليهما (كان) و الممتنع دخولها عليهما لاشتمال المبتدأ على استفهام فتنصبهما مفعولين، و لا يحذفان معا أو أحدهما إلّا بدليل، و لهما من التقديم و التأخير ما لهما مجرّدين، و لثانيهما من الأقسام و الأحوال ما لخبر كان» انتهى. و قد جاء في خبر كان وَ كانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً [النساء: ٣٤]، وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [الفتح: ٤] فكذلك ما نحن فيه. و يمكن أن يجعل الأوّل المفعول الثاني، و الثاني صفته كما في قوله تعالى: فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [الفرقان: ٢٣]. و يجوز أن يجعلا في معنى واحد على معنى: «مميّز بين الأشياء»، إذ لا يحصل التمييز بين الأشياء غالبا إلّا بالسمع و البصر، فيصير مثل قولنا: «الرمّان حلو حامض» بمعنى «مزّ»، فإذا جاء مثل:
جعل اللّه الرّمّان حلوا حامضا كان حكمه كذلك.
و أمّا السؤال الخامس: فجوابه أنّه حيث لم يتقدّم ما يعود عليه هذا الضمير يجوز أن يقال هو من القسم الخامس الذي ذكرناه من كلام الشيخ أبي حيّان في جواب السؤال الثاني و هو الضمير المجعول خبره مفسّرا له. و قد ذكر ابن مالك ذلك في التسهيل فقال: «و يتقدّم أيضا غير منويّ التأخير: إن جرّ بربّ، أو رفع بنعم أو شبهها أو بأوّل المتنازعين، أو أبدل منه المفسّر، أو جعل خبره، أو كان المسمّى ضمير الشأن عند البصريّين، و ضمير المجهول عند الكوفيّين».
قال الشيخ أبو حيان: «و مثال جعله خبرا قوله تعالى: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا [الأنعام: ٢٩] قال الزمخشري: هذا ضمير لا يعلم ما يعنى به إلّا بما يتلوه
[١] أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٤٠٥) بغير هذا اللفظ.
[٢] أخرجه ابن ماجه في سننه رقم (٤١٤٥) .