الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٤٣
المبين علم اللّه، أو اللّوح». و يقال مثله هنا بأنّ قوله: (و لا أصغر من ذلك و لا أكبر) عطف على (مثقال) أو (ذرّة)، و داخل في حكمها، كأنّه قيل: و ما يعزب عن ربّك من هذه الأشياء شيء، و ذلك مثبت للعلم، فيكون معنى ذلك و معنى (إلّا في كتاب مبين) التأكيد لما فهم من إثبات العلم ممّا سبق، لأن معنى (ذلك) و معنى (إلّا في كتاب مبين) واحد، و الكتاب هو علم اللّه تعالى، و المعنى: و ما يعزب عن ربّك من مثقال ذرّة في الأرض و لا في السماء إلّا يعلمها و لا أصغر من ذلك و لا أكبر إلّا في علمه. و هذا وجه آخر في الآية إلّا أنّ فيه حذف المؤكّد بخلاف (إلّا يعلمها) فإنّه مذكور، نعم يتمشّى ذلك على التّقديم و التأخير و فيه ما تقدّم و به مع الوجهين اللّذين قبله مع الأربعة التي ذكرتها في المجلس، و أوضحت القول فيها هنا يكمل في الآية سبعة أوجه، على أنّه قد قرئ شاذّا: و لا حبه و لا رطب و لا يابس برفعها قال [١] الزمخشري: «و فيه وجهان: أن يكون عطفا على محلّ من ورقة، أو رفعا على الابتداء و خبره (إلّا في كتاب مبين) كقولك: لا رجل منهم و لا امرأة إلّا في الدّار».
و ممّا وقع في الكلام من غيري أنّه يجوز أن يكون الاستثناء في ذلك روعي فيه ما راعى الجعدي بقوله: [الطويل]
[٧٥٤]- فتى كملت خيراته غير أنّه
جواد فما يبقي من المال باقيا
فإنّه ذهب إلى معنى: ليس فيه عيب لأنّ الجود ليس بعيب، فإذا لم يكن فيه عيب إلّا الجود فما فيه عيب فإنّه قال: كملت خيراته لكن ينقصه جوده. و نظيره في هذه الآية: إن كان يعزب عنه شيء فهو الذي في كتاب مبين، لكنّ الذي في الكتاب لا يعزب فلا يعزب عنه شيء. و هذا التقدير لا يصحّ من جهة أنّ فيه فرض محال، و ليس في اللّفظ ما يدلّ عليه، بخلاف ما تقدّم من البيت، و أيضا فيؤدّي إلى تكثير المجاز، و أيضا فلأنّ الجود بوصفه لفظا ليس بنقص، و أمّا الذي في الكتاب المبين فليس في اللّفظ ما يدلّ على هذا التقدير، و إن كان الأمر كذلك لمّا تقرّر أنّ الباري جلّ جلاله عالم بالكلّيّات و الجزئيّات؛ على أنّ التقدير في البيت إنّما هو على
[١] انظر الكشاف (٢/ ٢٥).
[٧٥٤] - الشاهد للنابغة الجعدي في ديوانه (ص ١٧٣)، و الأزهيّة (ص ١٨١)، و أمالي المرتضى (١/ ٢٦٨)، و خزانة الأدب (٣/ ٣٣٤)، و الكتاب (٢/ ٣٤٠)، و الدرر (٣/ ١٨٢)، و ديوان المعاني (١/ ٣٦)، و شرح أبيات سيبويه (٢/ ١٦٢)، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي (ص ١٠٦٢)، و شرح شواهد المغني (٢/ ٦١٤)، و الشعر و الشعراء (١/ ٢٩٩)، و لسان العرب (وصح)، و بلا نسبة في الصاحبي في فقه اللغة (ص ٢٦٧)، و همع الهوامع (١/ ٢٣٤).