الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٤١
في كتاب مبين. و نظيره: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٣٨]، وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً [النبأ: ٢٩]. و إنما لم أجعله مستثنى ممّا قبله رفعا أو فتحا لأنّ الكلام على أنّ الرفع للعطف على المحلّ، و الفتح للعطف على اللّفظ، فعدلنا عن الاستثناء من المذكور إلى مقدّر مبتدأ دلّ على ما سبق، و لا بدع في حذف ما قدّر لدلالة الكلام عليه، و يكون من مجموع ذلك إثبات العلم للّه تعالى في كلّ معلوم، و أنّ كلّ شيء مكتوب في الكتاب، و قد يجمع بينهما في قوله تعالى: قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَ لا يَنْسى [طه: ٥٢]، و في قوله تعالى: وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ [الأنعام: ٥٩].
و هذه الأوجه الأربعة التي فتح اللّه بها لا توجد مجموعة في كتاب بل الأوّل منها قد علمت أصله، و من قدّره في هذه الآية، و الثاني قد علمت من قاله، و الثالث قد علمت من جزم به و اختاره، و الرابع يشهد له كثير من أساليب العرب. و ذكر صاحب كتاب (تبصرة المتذكّر) أنّه «يجوز أن يكون الاستثناء متّصلا بما قبل قوله (و ما يعزب) و يكون في الآية تقديم و تأخير و ترتيبها: «و ما تكون في شأن و ما تتلوا منه من قرآن و لا تعملون من عمل إلّا في كتاب مبين إلّا كنّا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه ..» إلى «و لا أكبر». تلخيصه: «ما من شيء إلّا و هو في اللّوح المحفوظ. و نحن نشاهده في كلّ آن» و يجوز الاستثناء من (و ما يعزب) و يكون (يعزب) بمعنى يبين و يذهب، المعنى: لم يبن شيء عن اللّه تعالى بعد خلقه له إلّا و هو مكتوب في اللّوح المحفوظ تلخيصه: كلّ مخلوق مكتوب»، انتهى.
و فيه نظر، أمّا الوجه الأوّل فليس هذا نظير «امرر بهم إلّا الفتى إلّا العلا» [١] فلأنّك عند قصد التأكيد في نحو ذلك يجب العطف بالواو و لا تقول: قام القوم إلّا زيدا إلّا جعفرا» إذا قصدت التأكيد إلّا بالعطف فتقول: «و إلّا جعفرا».
فإن قيل: إنّما يكون ذلك في (إلّا) التي للتأكيد، و هاهنا قد لا يكون مقصودا فيكون كقول القائل: «ما قام إلّا زيدا إلّا عمرا». قلت: لا يصحّ، لأنّ المثال المستشهد به مفرّغ، و لا تفريغ فيما نحن فيه، و لكن هو قريب من قولك: «ما قام القوم إلّا زيدا إلّا عمرا. غير أنّ المستثنيين داخلان في القوم، فلو سكت عن أحدهما لانتفى بخلاف ما نحن فيه. و أيضا فلأنّه يلزم مجازان أحدهما بالتّقديم و التأخير، و الثاني تكرير إلّا.
[١] انظر الأشموني (١/ ٣٩٧).