الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٢
يفصّل و يشبع فكذلك الواجب عليه في خطاب الإجمال أن يجمل و يوجز، أنشد الجاحظ: [الكامل]
[٥٩٢]- يرمون بالخطب الطّوال و تارة
وحي الملاحظ خيفة الرّقباء
و أئمة صناعة البلاغة يرون سلوك هذا الأسلوب في أمثال هذه المقامات من كمال البلاغة و إصابة المحزّ، فنقول: إنما أوجز الكلام و أوهم المرام اختبارا لتنبّهك أو مقدار تنبّهك، أو نقول: عدل عن التصريح احترازا عن نسبة الخطأ إليك صريحا، و العدول عن التصريح باب من البلاغة يصار إليه كثيرا و إن أورث تطويلا، و من الشواهد لما نحن فيه شهادة غير مردودة رواية صاحب المفتاح عن القاضي شريح [١] «أنّ رجلا أقرّ عنده بشيء ثم رجع ينكر، فقال له شريح: شهد عليك ابن أخت خالك، آثر شريح التطويل ليعدل عن التصريح بنسبة الحماقة إلى المنكر، لكون الإنكار بعد الإقرار إدخالا للعنق في ربقة الكذب لا محالة».
و أمّا قولك: «ثانيا: فسّره بما لا يدلّ عليه بمطابقة و لا بتضمّن و لا بالتزام» ثم تقول: «حاصله كذا» فنفيت أوّلا الدّلالات، ثم أثبتّ ثانيا له معنى و ذكرته، فأنت كاذب إمّا في الأوّل أو الثاني، و أيضا قد قلت: «أوّلا: إنه كهذيان المحموم ليس له مفهوم، ثم قلت: حاصله كذا، فقد أدخلت عنقك في ربقة الكذب، اتّق اللّه فإنّ الكذب صغيرة و الإصرار عليها كبيرة، و المعاصي تجرّ إلى الكفر، قال اللّه تعالى:
ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ [الروم: ١٠]، ثم إنّ قولك: «حاصله أنّ ثبوت أحد الأمرين هاهنا متحقّق، و إنما التردّد في التعيين، فحقيق أن يسأل عنه بالهمزة مع أم دون هل مع أو، فإنّه سؤال عن أصل الثبوت» يوهم أنّك الذي استنبطت هذا المعنى من كلامه و فهمته منه، و ليس كذلك، بل لمّا بلغك هذا الجواب بقيت حائرا مليّا لا تفهم مراده و لا تعرف معناه، و كنت تعرّضته على من زعمت أنّهم كانوا ذا طبع سليم و فهم مستقيم، فما فهموا معناه و ما عثروا على مؤدّاه، فصرت ضحكة للضاحكين و سخرة للساخرين، فلمّا حال الحول و انتشر القول جاء ذاك الألمعيّ أعني الشيخ أمين الدين حاجي ددا و تمثّل بين يدي والدي و قال كما قلت: [المتقارب]
[٥٩٢] - الشاهد لأبي دؤاد بن حريز الإيادي في البيان و التبيين (١/ ١٥٥)، و لأبي داود بن جرير في زهر الآداب (١/ ٩٦)، و بلا نسبة في الصناعتين (ص ١٩٨).
[١] انظر مفتاح العلوم (ص ٩٧).