الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٠٩
و بعده:
و قد طال عهدي بالشّباب و ظلّه
و لاقيت أيّاما تشيب النّواصيا
و إنّما ذكرت هذين البيتين مستدلا بهما على نصب القافية، لئلّا يتوهّم متوهّم أنّ البيت فرد مصنوع، لأنّ إسكان الياء في قوله متراخيا ممكن مع تصحيح الوزن على أن يكون البيت من الطويل الثالث مثل: [الطويل]
[٧٣٦]- أقيموا بني النّعمان عنّا صدوركم
و إلّا تقيموا صاغرين الرّؤوسا
و إذا صحّ نصب قافية البيت فلا تخلو (لا) الأولى أن تكون معملة أو ملغاة، فإن كانت معملة ف (مبتغ) خبرها و كان حقّه أن ينصب و لكنّه أسكن الياء في موضع النّصب كما أسكنها الآخر في قوله [١]: [الوافر]
كفى بالنّأي من أسماء كافي
[و ليس لحبّها ما عشت شافي]
و كان حقّه (كافيا)، لأنّه حال بمنزلة المنصوب في قوله تعالى: وَ كَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَ كَفى بِاللَّهِ نَصِيراً [النساء: ٤٥].
و مثله في إسكان الياء في موضع النّصب قول الفرزدق: [الطويل]
[٧٣٧]- يقلّب رأسا لم يكن رأس سيّد
و عينا له حولاء باد عيوبها
قال: (باد) و كان حقّه (باديا) إتباعا لقوله (عينا)، و لا يجوز أن يكون (عيوبها) مبتدأ، و خبره (باد) لأنّه لو أراد ذلك لزمه أن يقول: (بادية)، ألا ترى أنّك لو قدّمت العيوب لم يصحّ أن تقول «عيوبها باد» كما لا تقول: «الرجال جالس».
و إذا كان كذلك فالنصب في قوله (متراخيا) بالعطف على (مبتغ) لأنّه منصوب الموضع، فكأنّه قال: لا أنا مبتغيا سواها و لا متراخيا عن حبّها، فإن جعلت (لا) الأولى ملغاة كان قوله: «أنا مبتغ» مبتدأ و خبرا، و لزمك أن تعمل الثانية، و يكون اسمها محذوفا تقديره: و لا أنا عن حبّها متراخيا، و حسن حذفه لتقدّم ذكره. فإن قيل: فهل يجوز أن يكون قوله (متراخيا) حالا، و العامل فيه الظّرف الذي هو (عن) كما يعمل الظّرف في الحال إذا قلنا: «زيد في الدار جالسا»؟ قيل: لا يجوز ذلك لأنّ (عن) ظرف ناقص، و إنّما يعمل في الحال الظّرف التامّ، ألا ترى أنّ قولك: «زيد في
[٧٣٦] - الشاهد بلا نسبة في لسان العرب (قوم)، و تاج العروس (قوم) و شرح المفصّل (٦/ ١١٥).
[١] مرّ الشاهد رقم (٦٨٩) .
[٧٣٧] - الشاهد للفرزدق في ديوانه (١/ ٤٧)، و خزانة الأدب (١١/ ١٦٣).