الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٨٩
ثمّ قال: و مرّ بي بعد هذا في تعليقي كلام للشيخ أبي عليّ، أنا حاكيه على الوجه، و هو أنّه أورد البيت ثمّ قال بعد إيراده: (ليت) محمول على إضمار الحديث و (كفافا) خبر (كان)، فأمّا قوله: «و شرّك عنّي ما ارتوى الماء مرتوي»، فقياس من أعمل الثاني أن يكون (شرّك) مرتفعا بالعطف على (كان)، و (مرتوي) في موضع نصب، إلّا أنّه أسكن في الشّعر مثل [١]: [الوافر]
كفى بالنّأي من أسماء كافي
[و ليس لحبّها ما عشت شافي]
و من أعمل الأوّل نصب (شرّك) بالعطف على (ليت) و (مرتوي) في موضع رفع لأنّه الخبر و «ما ارتوى الماء» في موضع نصب ظرف يعمل فيه (مرتوي) هذا ما ذكره أبو عليّ. ثمّ قال العبديّ: وفد تقدّمت مطالبتي بفاعل (ارتوى). و إذا ثبت ما ذكرته علم أنّ الأمر على ما قلته، و المعنى عليه لا محالة. انتهى كلام العبدّي.
و قد مرّ بي كلام لأبي عليّ في التذكرة يشير فيه إلى ما قاله العبديّ، و اختيار أبي عليّ على ما اختاره في هذا البيت- من كون (مرتوي) خبرا لكان، أو (ليت) مع صحّة إسناد (ارتوى) إلى (مرتوي) معنى و إعرابا- من مراميه البعيدة.
المسألة الخامسة [٢]: و أمّا (مزيّن) فلفظة تحتمل معنيين لكلّ واحد منهما وزن غير وزن الآخر، أحدهما: أن تكون عبارة عن مكبّر و وزنه مفعّل و هو اسم الفاعل من قولك: زيّن يزيّن فهو مزيّن، كقولك: بيّن يبيّن فهو مبيّن و الآخر: أن تكون عبارة عن مصغّر و وزنه مفيعل و هو مصغّر (مزدان) و (مزدان) أصله (مزتين) مفتعل من الزّينة، فقلبت ياؤه ألفا لتحرّكها و انفتاح ما قبلها فصار إلى (مزتان)، و كره اجتماع الزّاي و التاء لأنّ الزاي مجهور و التاء حرف مهموس، فكرهوا التنافر فأبدلوا التاء دالا، لأنّ الدّال توافق الزاي في الجهر و تقارب التّاء في المخرج، و لمّا أريد تصغير (مزدان) و عدّة حروفه خمسة اثنان زائدان الميم و الدّال، و وجب أن يردّ إلى أربعة، بحذف أحد الزائدين لم يخل من أن يحذف الميم أو الدّال فكان حذف الدال أولى لأمرين:
أحدهما: أنّ الميم تدلّ على اسم الفاعل، و الحرف الدالّ على معنى أولى بالمحافظة عليه، و الثاني: أنّ الدّال أقرب من الطّرف، و الطّرف و ما قاربه أحقّ بالحذف. و لمّا حذفت الدّال، بقي (مزان) فقيل في تصغيره (مزيّن)، كقولك في تصغير (غراب)
[١] مرّ الشاهد رقم (٦٨٩) .
[٢] انظر أمالي ابن الشجري (١/ ٢٩٨).