الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٥٢
الفعل إنّما يصير موجبا بمقارنة (إلّا) لمعموله لفظا أو معنى، فإذا لم يقترن بها لفظا و لا معنى فهو باق على النّفي، و المقصود بخلاف ذلك.
و إذا امتنع التنازع فيما ذكرنا فاعلم أنّه محمول على الحذف. و ممّن نصّ على ذلك ابن الحاجب و ابن مالك فأصله «ما قام أحد و لا قعد إلّا زيد» فحذف (أحد) من الأوّل لفظا و اكتفي بقصده و دلالة النفي و الاستثناء عليه كما جاء وَ إِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ [النساء: ١٥٩]، وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [الصافات:
١٦٤]، أي: ما من أهل الكتاب أحد إلّا ليؤمننّ به، و ما منّا أحد إلّا له مقام، و ذهب بعضهم إلى أنّ نحو ذلك من باب التّنازع، و ليس بشيء لما شرحناه. و لم يذكر ابن مالك هذا الشّرط في صدر باب التّنازع فاقتضى ظاهر كلامه أنّه منه، ثمّ قال في أثناء الباب: «و نحو «ما قام و قعد إلّا زيد» محمول على الحذف لا على التنازع خلافا لبعضهم» و كان حقّه أن يذكره حيث تعرّض لذكر شروط التّنازع. و ذكر ابن الحاجب شرطا في المعمول غير ما ذكرناه، و هو ألّا يكون ضميرا، و قال في توجيه ذلك: لأنّ العاملين إذا وجّها إلى مضمر استويا في صحّة الإضمار فيه فلا تنازع في نحو:
«ضربت و أكرمت» وردّ عليه ابن مالك بأنّ هذا منه تقرير بأنّه لا يتأتّى في المضمر صورة تنازع، فلا وجه لهذا الاحتراز لأنّ قولنا: إذا تنازع العاملان، لا يمكن تناوله لذلك، و قد يقال إنّ هذا إنّما ذكر للإعلام من أوّل الأمر بصورة التّنازع لا للاحتراز عن صورة يتأتّى فيها صورة التّنازع في الضمير، و لا يحكم النحويّون بأنّه من التنازع. ثم إنّ هذا المعترض قد ذكر من شروط التنازع تأخير المعمول، و أقام الدليل على أنه لا يتأتّى و لا يتصوّر في غيره و هو نظير ما اعترض به على أبي عمرو.
فإن قلت: إنّ الحجّة التي احتجّ بها أبو عمرو على أنّ التّنازع لا يتأتّى في المضمر، إنّما يستمرّ في المضمر المتّصل، فأمّا المنفصل فيمكن التجاذب بين العاملين فيه، نحو: «ما قام و قعد إلّا أنا».
قلت: قد مضى أنّ ذلك إنّما يتّجه على الحذف كما شرحناه.
و أمّا الشّرط الذي بينهما: فتقدّم العاملين و تأخّر المعمول. قال ابن مالك:
«و إنّما لم يتأتّ التنازع بين عاملين متأخّرين نحو: «زيد قام و قعد» لأنّ كلّا من المتأخّرين مشغول بمثل ما يشغل به الآخر من ضمير الاسم السابق، فلا تنازع بخلاف المتقدّمين نحو: «قام و قعد زيد» فإنّ كلّا من الفعلين متوجّه في المعنى إلى (زيد) و صالح للعمل في لفظه و أعمل أحدهما في ظاهره و الآخر في ضميره» انتهى بنصّه.
الأشباه و النظائر في النحو ؛ ج٤ ؛ ص١٥٣