الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٥
و كل عالم فلا بدّ له من جهل و حيرة، فأمّا الحلم المحصن الذي لا يلحقه طيش و الجود المحصن الذي ليس فيه بخل و العلم المحصن الذي لا يقترن به جهل فإنها صفات خاصة به تعالى لا حظّ فيها لغيره، و هذه الزيادة التي زيدت عليها في موضع نصب على الصفة، كأنّه قيل: يا حليما غير عجول، و يا جوادا غير بخيل و يا عالما غير جهول، فالفائدة في هذه الألفاظ المزيدة على هذه الأسماء ما ذكرناه من التخصيص.
فإن قال قائل: فقد علمت أنّا إذا قلنا: يا حليم و يا جواد و يا عالم فقد فهم أنّ هذه الصفات مخالفة لصفات البشر، فإذا كان ذلك مفهوما من أنفس هذه الصفات فما الفائدة في زيادة هذه الألفاظ عليها؟ فالجواب: أنّ الفائدة في ذلك أنّا إذا قلنا: يا حليم و يا جواد و يا عالم فإنّما يقع التباين و الخلاف بالمعاني لا بالألفاظ، و إذا قلنا: يا جوادا لا يبخل و يا حليما لا يعجل و يا عالما لا يجهل وقع التباين و الخلاف بالمعاني و الألفاظ معا، و إذا انفصل الشيئان لفظا و معنى كان أبلغ في التباين من أن ينفصلا معنى لا لفظا، و يدلّك على أنّ الغرض في ذلك ما ذكرته قول عطاء الخراساني في «بسم اللّه الرحمن الرحيم»: «كان الباري تعالى يوصف بالرحمن، فلمّا تسمّى به المخلوقون زيد عليه الرحيم»، فهذا نصّ جليّ على أنّهم قصدوا تخصيصه تعالى بلفظ لا يوصف به سواه، و لذلك قال المفسرون في «اللّه»: إنه اسم ممنوع، فلأجل هذا قلنا: إن مثل هذا ينبغي أن يقال فيه: منادى مخصّص، و إنما وجب أن ينتصب هذا النوع من المناديات و إن كان غير منكور لأنّ اللفظ الأوّل لمّا كان محتاجا إلى اللفظ الثاني لأنّه الذي يتمّ معناه و يخصّصه أشبه المنادى المضاف الذي لا يتمّ إلّا بالمضاف إليه فانتصب كانتصابه، و صار بمنزلة قولك: يا خيرا من زيد و يا ضاربا رجلا، و لذلك سمّى النحويون هذا النوع المنادى المشبّه بالمضاف.
و أمّا قولي: إن هذا سؤال من لم يتمهّر في معرفة اللسان العربي و اعتراض من لم يتصوّر هذه الصناعة تصوّرا صحيحا فإنما قلت ذلك لأنّ هذا السؤال يدلّ على أنّ صاحبه يعتقد أنّ كلّ منادى معرفة غير مضاف مرفوع رفع بناء في كلام العرب، و ليس كذلك لأنّ المنادى في كلام العرب ينقسم إلى أربعة أقسام:
منادى منكور نحو: يا رجلا، و منادى مضاف نحو: يا عبد اللّه، و منادى مفرد و هو نوعان:
أحدهما: ما كان معرفة قبل النداء، نحو: يا زيد.
و الثاني: ما كان قبل النداء نكرة و تعرّف في النداء بإقبال المنادى عليه و اختصاصه إيّاه بالنداء دون غيره، نحو: يا رجل.