الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٤٩
[الذاريات: ٥٥]، لأنّ طالب (المؤمنين) هو فعل النّفع لا الأمر بالتّذكير لعموم البعثة- كذا قالوا-. و لك أن تقول: لا يمتنع التّنازع فيهما، أمّا في الأولى: فعلى جعل (ظلما) و (علوّا) مصدرين في موضع الحال ك «جاء زيد ركضا» فيكون التقدير:
و جحدوا بها ظالمين مستعلين و استيقنوها و حالتهم هذه، و أمّا في الثانية: فلأنّ عموم البعثة لا ينفي تخصيص عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤]، و قد قال كثيرا من المفسّرين في قُلْ لِعِبادِيَ .. [إبراهيم: ٣١]: إنّ المراد (المخلصين) و أنّ الإضافة إضافة تشريف، و بنوا على هذا صحّة الجزم في قوله سبحانه (يقيموا) و (ينفقوا)، و نحو ذلك ممّا جزم في جواب الشرط المقدّر بعد الأمر، فلولا أنّ المراد:
(المخلصون) لم يصحّ أن يكون التقدير: إن تقل لهم يقيموا و ينفقوا لما يلزم عليه من الخلف في خبر الصادق، إذ قد يخلف من المقول لهم- على هذا التقدير- جمّ غفير لا يحصى. و المثال الجيّد فيما نحن فيه قول الشاعر- أنشده الفارسي:
[الوافر]
٦٦١- عدينا في غد ما شئت إنّا
نحبّ و لو مطلت الواعدينا
فلا تنازع بين (نحبّ) و (مطلت) في (الواعدين) لأنّ الممطول موعود لا واعد ف (الواعدين) مفعول ل (نحبّ) لا غير.
و أمّا الشرطان اللّذان في المعمول:
فأحدهما: ألا يكون سببيّا، فلا تنازع بين (ممطول) و (معنّى) في قوله [١]:
[الطويل]
[قضى كلّ ذي دين فوفى غريمه]
و عزّة ممطول معنّى غريمها
لأنّهما حينئذ خبران ل (عزّة)، و إذا أعمل أحدهما في الغريم أعطي الآخر ضميره كما هو قاعدة التّنازع، و يلزم من ذلك عدم ارتباط أحد الخبرين بالمخبر عنه، ألا ترى أنّه يؤول به التقدير- على إعمال الأوّل- إلى قولك: و عزّة ممطول غريمها معنّى غريم!! و على إعمال الثّاني إلى قولك: و عزّة ممطول غريم معنّى غريمها. فإذا ثبت أنّ التنازع في هذا النحو متعذّر وجب أن يحمل على أنّ هذا السببيّ مبتدأ مؤخّر، و ما قبله خبران له يتحمّلان ضميره، و الجملة خبر الأوّل. هذا تقرير قول جماعة منهم أبو عبد اللّه بن مالك- رحمهم اللّه أجمعين-.
[١] مرّ الشاهد رقم (٤٧٧) .