الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٢٧
المستثنى أعمّ؛ لأنّ الأعمّ يقع على الأخصّ، و الواقع على الواقع واقع، فتخلّص ممّا ورد عليه من قول النحاة: «لا يستثنى بأداة واحدة دون عطف شيئان» [١]. و قد أورد عليه أبو حيّان في قوله: «إنّها حال من لا تدخلوا»، أنّ «هذا لا يجوز على مذهب الجمهور؛ إذ لا يقع عندهم بعد «إلّا» في الاستثناء إلّا المستثنى أو المستثنى منه أو صفة المستثنى منه و أجاز الأخفش و الكسائي ذلك في الحال، و على هذا يجيء ما قاله الزّمخشريّ» [٢]. و هذا الإيراد عجيب لأنّه ليس مراد الزّمخشريّ: «لا تدخلوا غير ناظرين» حتى يكون الحال قد تأخّر بعد أداة الاستثناء على مذهب الأخفش و الكسائي، و إنّما مراده أنّه قال: «من لا تدخلوا» لأنّه مفرّغ فيعمل فيما بعد الاستثناء كما في قولك: «ما دخلت إلّا غير ناظر» فلا يرد على الزّمخشري إلّا استثناء شيئين، و جوابه ما قلناه؛ و حاصله تقييد إطلاقهم:- لا يستثنى بأداة واحدة دون عطف شيئان- بما إذا كان الشيئان لا يعمل الفعل فيهما إلّا بعطف؛ أمّا إذا كان عاملا فيهما بغير عطف فيتوجّه الاستثناء إليهما لأنّ حرف الاستثناء كالفعل و لأنّ الفعل عامل فيهما قبل الاستثناء، فكذا بعده.
و اختار أبو حيّان في إعراب الآية أن يكون التقدير: فادخلوا غير ناظرين، كما في قوله: بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ [النحل: ٤٤] أي: أرسلناهم. و التقدير في تلك الآية قويّ لأجل البعد و الفصل، و أما هنا فيحتمل هو و ما قلناه.
فإن قلت: قولهم: «لا يستثنى بأداة واحدة دون عطف شيئان» هل هو متّفق عليه أو مختلف فيه؟ و ما المختار فيه؟ قلت: قال ابن مالك- رحمه اللّه- في (التسهيل): «يستثنى بأداة واحدة دون عطف شيئان و يوهم ذلك بدل و فعل مضمر لا بدلان خلافا لقوم».
قال أبو حيان- رحمه اللّه-: «إنّ من النحويّين من أجاز ذلك ذهبوا إلى إجازة: «ما أخذ أحد إلّا زيد درهما» و «ما ضرب القوم إلّا بعضهم بعضا»، قال: و منع الأخفش و الفارسي، و اختلفا في إصلاحهما، و تصحيحهما عند الأخفش بأن يقدّم على «إلّا» المرفوع الذي بعدها فتقول: «ما أخذ أحد زيد إلّا درهما» و «ما ضرب القوم بعضهم إلّا بعضا» قال: و هذا موافق لما ذهب إليه ابن السرّاج و ابن مالك من أنّ حرف الاستثناء إنّما يستثنى به واحد. و تصحيحها عند الفارسيّ بأن تزيد فيها منصوبا قبل إلّا فتقول: «ما أخذ أحد شيئا إلّا زيد درهما» و «ما ضرب القوم أحدا إلّا
[١] انظر همع الهوامع (١/ ٢٢٦).
[٢] انظر البحر المحيط (٧/ ٢٣٧).