الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٠٦
فإنّ إيقاع الطّلب على المثل أوقع من إيقاعه على ضميره لو قال: طلبنا لك مثلا فلم نجده. و قال بعض أهل العصر: [الطويل]
إذا برقت يوما أسرّة وجهه
على النّاس قال النّاس جلّ المصوّر
و أمّا ما يكاد يصل إلى حدّ الوجوب، فمثل قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ [الأحزاب: ٥٠] إلى قوله تعالى: وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها [الأحزاب: ٥٠]، إنّما عدل عن الإضمار إلى التصريح و كرر اسمه- صلّى اللّه عليه و سلّم- تنبيها على أنّ تخصيصه- صلّى اللّه عليه و سلّم- بهذا الحكم، أعني النّكاح بالهبة عن سائر الناس، لمكان النبوّة، و لكبير اسمه- صلّى اللّه عليه و سلّم- تنبيها على عظمة شأنه و جلالة قدره إشارة إلى علّة التّخصيص، و هي النّبوة.
و من التحقير: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [البقرة: ٥٩] دون (عليهم)، وَ قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ [البقرة: ٨٨]، أضمر هنا ثمّ لما أراد المبالغة في ذمّهم صرّح في الآية الثانية و الثالثة بكفرهم فقيل: ... فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [البقرة: ٨٩]، ... وَ لِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ [البقرة: ٩٠]، و أمثاله كثير.
إذا تقرّر هذا الأصل فنقول: لما كان أهل هذه القرية موصوفين بالشيخ الغالب، و اللؤم اللّازب بدليل قوله صلّى اللّه عليه و سلّم: «كانوا أهل قرية لئاما» [١] و قد صدر منهم في حقّ هذين العبدين الكريمين على اللّه ما صدر من المنع بعد السؤال، كانوا حقيقين بالنداء عليهم بسوء الصّنيع، فناسب ذلك التصريح باسمهم، لما في لفظ الأهل من الدّلالة على الكثرة، مع حرمان هذين الفقيرين من خيرهم مع استطعامهما إياهم، و لما دلّ عليه حالهم من كدر قلوبهم، و عمى بصائرهم، حيث لم يتفرّسوا فيهما ما تفرّسه صاحب السّفينة في قوله: «أرى وجوه الأنبياء» [٢]. هذا ما يتعلق بالمعنى.
و أما ما يتعلق باللفظ: فلما في جمع الضميرين في كلمة واحدة من الاستثقال؛ فلهذا كان قليلا في القرآن المجيد. و أما قوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [البقرة:
١٣٧] و قوله: أَ نُلْزِمُكُمُوها [هود: ٢٨] فإنّه ليس من هذا القبيل؛ لأنّه عدول عن الانفصال إلى الاتّصال الذي أخصر. و عند فكّ الضمير لا يؤدّى إلى التصريح باسم ظاهر، بل يقال فسيكفيك إياهم اللّه، و أنلزمكم إيّاها، فكان الاتصال أولى لأنّه أخصر، و مؤدّاهما واحد بخلاف مسألتنا. ثم هنا سؤالات.
[١] أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ١١٩).
[٢] انظر تفسير ابن كثير (٥/ ٣٠٥).