الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٠٥
إذا ما استوى الحالان في الحكم رجّح الض
ضمير، و أمّا حين يختلفان
فإن كان في التّصريح إظهار حكمة،
كرفعة شأن أو حقارة جاني
كمثل: «أمير المؤمنين يقول ذا»،
و ما نحن فيه، صرّحوا بأمان
و هذا على الإيجاز، و اللّفظ جاء في
جوابي منثورا بحسن بيان
فلا تمتحن بالنّظم من بعد عالما
فليس لكلّ بالقريض يدان
و قد قيل إنّ الشّعر يزري بهم فلا
يكاد يرى من سابق برهان
و لا تنسني عند الدّعاء فإنّني
سأبدي مزاياكم بكلّ مكان
و أستغفر اللّه العظيم لما طغى
به قلمي، أو طال فيه لساني
و الجواب المبسوط بالنثر هو أنّه لما كانت الألفاظ تابعة للمعاني لم يتحتّم الإضمار، بل قد يكون التصريح أولى، بل ربّما يكاد يصل إلى حدّ الوجوب، كما سنبيّن إن شاء اللّه تعالى. و يدلّ على الأولوية قول أرباب علم البيان ما هذا ملخّصه:
لمّا كان للتصريح عمل ليس للكناية، كان لإعادة اللفظ من الحسن و البهجة و الفخامة ما ليس لرجوع الضّمير. انتهى كلامهم. فقد يعدل إلى التّصريح إمّا للتعظيم و إمّا للتحقير و النداء، و إما للتّشنيع في النداء بقبح الفعل، و إما لغير ذلك، فمن التعظيم قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص: ١- ٢] دون (هو)، و قوله تعالى: وَ بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ [الإسراء: ١٠٥]، و لم يقل و به، و قوله: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِ [البقرة: ١٩٧]، فقد كرّر لفظ الحجّ مرّتين دون أن يقال: فمن فرضه فيهن و لا جدال فيه، إعلاما بعظمة هذه العبادة من حيث إنّها فريضة العمر، و فيها شبه عظيم بحال الموت و البعث فناسب حال تعظيمه في القلوب التّصريح بالاسم ثلاث مرّات. و منه قوله الخليفة: «أمير المؤمنين يرسم بكذا»، دون (أنا)، إما لتعظيم ذلك الأمر أو لتقوية داعية المأمور أو نحوهما، و قول الشاعر: [الرجز]
[٦٢٩]- نفس عصام سوّدت عصاما
و قول البحتري: [الخفيف]
[٦٣٠]- قد طلبنا فلم نجد لك في السّؤ
دد و المجد و المكارم مثلا
[٦٢٩] - الرجز للنابغة الذبياني في ديوانه (ص ١١٨)، و بلا نسبة في لسان العرب (عصم)، و مقاييس اللغة (٢/ ١٧٥)، و تاج العروس (عصم).
[٦٣٠] - الشاهد للبحتري في ديوانه (ص ١٦٥٧)، و معاهد التنصيص (١/ ٨٨١)، و دلائل الإعجاز (ص ١٢٩).