سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٨٧ - الباب الرابع في تنبيهات و فوائد تتعلق بحجة الوداع
القران، فإن صرنا إلى تساقط رواياتهم سلمت رواية من عداهم للقران عن معارض، و إن صرنا إلى الترجيح وجب الأخذ برواية من لم تضطرب الرواية عنه و لا اختلف كعمر بن الخطاب، و علي بن أبي طالب و أنس، و البراء و عمران بن حصين، و أبي طلحة، و سراقة بن مالك، و سعد بن أبي وقاص، و عبد اللّه بن أبي أوفى، و هرماس بن زياد.
الثامن: أنّه النسك الذي أمر به من ربه، كما تقدم فلم يكن ليعدل عنه.
التاسع: أنه النسك الذي أمر به كل من ساق الهدي، فلم يكن ليأمرهم به إذا ساقوا الهدي ثم يسوق هو الهدي و يخالفه.
العاشر: أنه النسك الذي أمر به له و لأهل بيته، و اختاره لهم، و لم يكن يختار لهم إلا ما اختار لنفسه.
الحادي عشر:
قوله: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة»،
يقتضي أنها صارت جزءا منه أو كالجزء الداخل فيه بحيث لا يفصل بينه و بينه، و إنما يكون كالداخل في الشيء معه.
الثاني عشر: قول عمر: للصّبيّ بن معبد- و قد أهلّ بحج و عمرة- فأنكر عليه زيد بن صوحان و سلمان بن ربيعة فقال له عمر: هديت لسنّة نبيك- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و هذا يوافق رواية عمر أنه الوحي جاء من اللّه بالإهلال بهما جميعا، فدلّ على أن القران سنة التي فعلها و امتثل أمر اللّه تعالى بها.
قال ابن كثير: و الجمع بين رواية من روى أنه أفرد الحج و بين رواية من روى القران، أنه أفرد أفعال الحج و دخلت فيه العمرة نيّة و فعلا و قولا، و اكتفى بطواف الحج و سعيه عنه و عنها، كما في مذهب الجمهور في القران خلافا لأبي حنيفة.
و أما من روى التمتع و صح عنه: أنه روى القران، فالتمتّع في كلام السلف أعم من التمتع الخاص و الأوائل يطلقونه على الاعتمار في أشهر الحج و إن لم يكن معه حج، قال سعد بن أبي وقاص تمتعنا مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و إنما يريد بهذا إحدى العمرتين المتقدمتين:
إمّا الحديبية، و إمّا القضاء، فأما عمرة الجعرانة، فقد كان معاوية قد أسلم- فإنها كانت بعد الفتح، و حجة الوداع بعد ذلك سنة عشر.
قلت: و أما الحديث ابن عمر و عائشة السابقان فقد رويا التمتع فهو مشكل على الأقوال، أما قول الإفراد ففي هذا إثبات عمرة إما قبل الحج أو معه، و إما على قول التمتع الخاص فإنه ذكر أنه لم يحل من إحرامه بعد ما طاف بالصفا و المروة، و ليس هذا شأن المتمتع، و من زعم أنه إنما منعه من التحلل سوق الهدي، كما قد يفهم من حديث ابن عمر.