سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٧٦ - ذكر نزوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بذي طوى، و دخوله مكة، و طوافه و سعيه
ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس ذو الحجة؟» قلنا: بلى، قال: «فأي بلد هذا؟» قلنا: اللّه و رسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: «أليس البلدة؟» قلنا: بلى. قال فإن دماءكم و أموالكم- قال محمد- و أحسبه قال: و أعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا و ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه»، ثم قال: «ألا هل بلغت؟» قلنا: نعم، قال: «اللهم فاشهد». رواه الإمام أحمد و الشيخان [١].
و روى الإمام أحمد، و البخاري، عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: «خطب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يوم النحر، فقال: «أيها الناس: أيّ يوم هذا؟ قالوا يوم حرام، قال: فأيّ بلد هذا؟ قالوا بلد حرام، قال: فأيّ شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام، قال: «فإن دماءكم، و أموالكم و أعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، في شهركم هذا». فأعادها مرارا، ثم رفع رأسه [إلى السماء] فقال: «اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت؟» [٢].
و روى الشيخان نحوه عن ابن عمر- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في حجة الوداع: «ألا أي شهر تعلمونه أعظم حرمة؟» قالوا شهرنا هذا، قال: «ألا أي بلد تعلمونه أعظم حرمة؟» قالوا: بلدنا هذا، قال: «ألا أي يوم تعلمونه أعظم حرمة؟» قالوا:
يومنا هذا، قال: «فإن اللّه تبارك و تعالى قد حرم عليكم دماءكم و أموالكم و أعراضكم إلا بحقها كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلغت ثلاثا؟» كل ذلك يجيبونه ألا نعم قال: «ويحكم أو قال: ويلكم لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» [٣].
ثم انصرف إلى النحر بمنى، فنحر ثلاثا و ستين بدنة بيده بالحربة و كان ينحرها قائمة معقولة اليسرى و كان عدد هذا الذي نحره عدد سنين عمره- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-
ثم أمسك و أمر عليا أن ينحر ما بقي من المائة، ثم أمره أن يتصدق بجلالها و جلودها و لحومها، في المساكين، و أمره أن لا يعطي الجزار في جزارتها شيئا منها، و قال: «نحن نعطيه من عندنا، و قال: من شاء اقتطع».
قلت: في حديث ابن جريج عن جعفر بن محمد عن جابر ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، فطبخت فأكلا من لحمها و شربا من مرقها و اللّه تعالى أعلم.
قال ابن جريج: قلت من الذي أكل مع النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و شرب من المرق؟ قال جعفر:
[١] انظر مسند أحمد ٥/ ٣٧.
[٢] أحمد ١/ ٢٣٠ و البخاري (٣/ ٦٧٠) حديث (١٧٣٩) (٧٠٧٩).
[٣] البخاري ٣/ ٦٧١ (١٧٤٢، ٤٤٠٣، ٦٠٤٣، ٦١٦٦، ٦٧٨٥، ٦٨٦٨، ٧٠٧٧).