سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٦٨ - ذكر نزوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بذي طوى، و دخوله مكة، و طوافه و سعيه
فخرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و عليه حلة حمراء، فكأني أنظر إلى بريق ساقيه، فصلى بنا الظهر و العصر ركعتين ركعتين تمرّ المرأة و الكلب و الحمار من وراء العنزة، فقام الناس فجعلوا يأخذون بيده فيمسحون بها وجوههم، قال: فأخذت يديه فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، و أطيب ريحا من المسك، و اللّه تعالى أعلم.
قلت: قال ابن سعد: فلما كان قبل يوم التروية بيوم خطب بمكة بعد الظهر فلما كان يوم الخميس ضحى توجه بمن معه من المسلمين إلى منى فأحرم بالحج من كان أحلّ منهم في رحالهم، و لم يدخلوا المسجد فأحرموا منه، بل أحرموا و مكة خلف ظهورهم فلما وصل إلى منى نزل بها فصلى بها الظهر و العصر، و بات بها، و كانت ليلة الجمعة، فلما طلعت الشمس ساروا منها إلى عرفة و أخذ على طريق ضب على يمين طريق الناس اليوم، و كان من الصحابة الملبّي و المكبّر، و هو يسمع ذلك و لا ينكر على هؤلاء و لا على هؤلاء.
قلت: و
في حديث ابن عباس قال: غدا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يوم عرفة من منى، فلما انبعثت به راحلته و عليها قطيفة قد اشتريت بأربعة دراهم، قال: «اللهم اجعله حجا مبرورا، لا رياء فيه و لا سمعة» رواه الطبراني بسند جيد.
و في حديث جابر و لا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فسار رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- حتى أتى نمرة، فوجد القبّة قد ضربت له هناك بأمره فنزل فيها، حتى إذا زالت الشمس أمر بناقته القصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي من أرض عرفة.
قال ابن سعد: فوقف بالهضبات من عرفات و قال: «كلّ عرفة موقف إلا بطن عرنة» أي بالنون قال ابن تيمية و هو يعني بطن عرنة وادي من حدود عرفة.
فخطب الناس قبل الصلاة على راحلته خطبة عظيمة.
قلت و هو قائم في الركابين- كما عند أبي داود- عن العدّاء بن خالد- [١] رضي اللّه تعالى عنه-.
و نص الخطبة بعد الحمد للّه، و الثناء عليه، «أيها الناس: إنّ دماءكم و أموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا، و إنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، و قد بلّغت، فمن كانت عنده أمانة فليردها لمن ائتمنه عليها، ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدميّ، و إن أول دمائكم أضع، و في رواية: و إن أول
[١] أبو داود ٢/ ١٨٩ (١٩١٧).