سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٦٧ - ذكر نزوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بذي طوى، و دخوله مكة، و طوافه و سعيه
جشم و هو في أسفل الوادي، لمّا أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة و الإحلال، يا رسول اللّه أ لعامنا هذا أم للأبد؟ فشبّك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أصابعه واحدة في الأخرى فقال: «لا»، ثلاث مرات، ثم قال: «دخلت العمرة في الحج مرتين أو ثلاثا إلى الأبد» بل الأبد فحل الناس كلهم إلّا النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و من كان معه هدي.
قلت: و أمره- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- من لم يسق الهدي بفسخ الحج إلى العمرة، رواه عنه خلائق من الصحابة.
و قد اختلف العلماء في ذلك. فقال مالك، و الشافعي، كان ذلك من خصائص الصحابة، ثم نسخ جواز الفسخ كغيرهم، و تمسكوا بما رواه مسلم، عن أبي ذر لم يكن فسخ الحج إلى العمرة إلا إلى أصحاب محمد- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-.
و أما الإمام أحمد فرد ذلك و جوّز الفسخ لغير الصحابة.
و هناك دعا للمحلقين بالمغفرة ثلاثا، و للمقصرين مرة.
فأما نساؤه فأحللن و كن قارنات إلا عائشة فإنها لم تحل من أجل تعذر الحل عليها بحيضتها، و فاطمة حلت، لأنها لم يكن معها هدي، و علي لم يحلّ من أجل هديه، و أمر من أهلّ بإهلال كإهلاله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أن يقيم على إحرامه، إن كان معه هدي، و أن يحل من لم يكن معه هدي.
قلت: و رواه الطبراني- برجال ثقات- و اللّه تعالى أعلم.
و سار رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قبل يوم التروية بيوم، فقلنا غدا إن شاء اللّه تعالى بالخيف حيث استقسم المشركون،
ثم سار رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و الناس معه حتى نزل الأبطح شرقي مكة في قبة حمراء من أدم ضربت له هناك، و هناك كما قال ابن كثير- قدم عليّ من اليمن ببدن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- محرّشا لفاطمة فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- «صدقت» ثلاثا «أنا أمرتها، يا عليّ بم أهللت؟»، قال: قلت: اللهم إني أهلّ بما أهلّ به رسولك قال: و معي هدي قال: «فلا تحل»، فكان جملة الهدي الذي قدم به علي من اليمن و الذي ساقه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- من المدينة مائة بدنة، و كان يصلي مدة مقامه هنا إلى يوم التروية بمنزلة الذي هو نازل فيه بالمسلمين بظاهر مكة، فأقام بظاهر مكة أربعة أيام يقصر الصلاة. الأحد و الاثنين و الثلاثاء و الأربعاء.
قلت: و لم يعد إلى الكعبة كما في الصحيح عن ابن عباس.
و في حديث أبي جحيفة عند الإمام أحمد، و الشيخين، أنه أتى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بالأبطح و هو في قبة له حمراء فخرج بلال بفضل وضوئه فمن ناضح و من نائل، قال: فأذّن بلال، فكنت أتتّبع فاه ها هنا و ها هنا- يعني يمينا و شمالا- ثم خرج بلال بالعنزة بين يديه،