سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٩٩ - الباب الثامن في قيامه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في شهر رمضان و تركه ذلك ظاهرا خوف فرضه على الأمة
رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يقوم في رمضان، فجئت فقمت إلى جنبه، و جاء رجل فقام أيضا حتى كنا رهطا، فلما أحسّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أنّا خلفه جعل يتجوّز في الصلاة، ثم دخل رحله فصلى صلاة لا يصليها عندنا قال: فقلنا له حين أصبحنا أفطنت لنا الليلة؟ فقال: «نعم ذاك الذي حملني على ما صنعت» [١].
و روى أبو يعلى، و ابن حبان، عن جابر بن عبد الله- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: «صلى بنا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في شهر رمضان ثمان ركعات و أوتر فلما كانت الليلة القابلة اجتمعنا في المسجد، و رجونا أن يخرج إلينا فلم نزل فيه حتى أصبحنا، ثم دخلنا فقلنا: يا رسول اللّه اجتمعنا في المسجد، و رجونا أن تصلي، فقال: «إني خشيت أو كرهت أن تكتب عليكم» [٢].
و روى البزار، و أبو يعلى، برجال الصحيح، عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- قال «كان رسول اللّه يصلي في حجرته فجاء ناس من أصحابه فصلوا بصلاته، فدخل البيت، ثم خرج فعاد مرارا كل ذلك يصلي، فلما أصبح قالوا: يا رسول اللّه: صلينا معك و نحب نحن أن تمد في صلاتك، قال: «قد علمت مكانكم و عمدا فعلت ذلك» [٣].
و روى الإمام أحمد، عن أبي ذر- رضي اللّه تعالى عنه-: قال: «قلت يا رسول اللّه إني أريد أن أبيت معك الليلة، فأصلي بصلاتك. قال: لا تستطيع صلاتي فقام رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يغتسل فسترته بثوبي و أنا محول عنه، ثم فعل مثل ذلك، ثم قام يصلي و قمت معه: حتى جعلت أضرب برأسي الجدران من طول صلاته، ثم أتاه بلالا للصلاة قال: «أفعلت»؟ قال: نعم. قال:
«إنك يا بلال لتؤذن إذا كان الصبح ساكعا في السماء ليس ذلك الصبح، إنما الصبح هكذا معترضا»، ثم دعا بسحوره فتسحر» [٤].
ساكعا- بسين مهملة مفتوحة، فألف، فكاف، فعين مهملة، فألف، من التسكع و هو:
التحير، و التمادي في الباطل، لأن هذا الفجر يذهب و يقال له: الكاذب.
«معترضا بميم مضمومة، فعين مهملة ساكنة، ففوقية مفتوحة، فراء مكسورة، فضاد معجمة فألف».
و روى الإمامان: مالك، و أحمد، و الشيخان، و أبو داود، و النسائي، عن عائشة- رضي
[١] مسلم (٢/ ٧٧٥) حديث (٥٩/ ١١٠٤) و أحمد ٣/ ٢٩٣.
[٢] قال الهيثمي ٣/ ١٧٢ فيه عيسى بن جارية وثّقه ابن حبان و غيره و ضعفه ابن معين.
[٣] أخرجه الطبراني في الأوسط و قال الهيثمي ٣/ ١٧٣ رجاله رجال الصحيح.
[٤] في إسناده رشدين بن سعد انظر المجمع ٣/ ١٧٢ و هو عند أحمد ٥/ ١٧١ و البخاري في التاريخ ٤/ ١٧٨.