الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣٦٠ - ذكر غزو إفريقية و فتحها
قال: اقصص عليهم ما أخبرتنى به، فتلكأ عبد الله بدأ، ثم تكلم بكلام أعجبهم.
و يروى عن ابن شهاب [١] أن عثمان لما قال لابن الزبير أتكلم الناس بهذا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أنا أهيب لك منى لهم، فأمر عثمان فجمع الناس، ثم صعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه، و كان أكره شيء إليه الخطب، و أحب الأشياء إليه ما كفى، ثم قال:
أيها الناس، إن الله قد فتح عليكم إفريقية، و هذا عبد الله بن الزبير يخبركم بخبرها إن شاء الله، ثم جلس على المنبر.
و قام ابن الزبير إلى جانب المنبر، و كان أول من قام إلى جانبه، فقال: الحمد لله الذي ألف بيننا بعد الفرقة، و جعلنا متحابين بعد البغضة، و الحمد لله الذي لا تجحد نعماؤه، و لا يزول ملكه، له الحمد كما حمد نفسه، و كما هو أهله. ابتعث محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) فاختاره بعلمه، و ائتمنه على وحيه، فاختار له من الناس أعوانا قذف فى قلوبهم تصديقه، فآمنوا به و عزروه و وقروه و نصروه، و جاهدوا فى الله حق جهاده، فاستشهد الله منهم من استشهد على المنهاج الواضح و البيع الرابح، و بقى منهم من بقى، لا يأخذهم فى الله لومة لائم.
أيها الناس، رحمكم الله، إنا خرجنا للوجه الذي قد علمتم، فكنا مع خير وال ولى فحمد، و قسم فعدل، لم يفقد من بر أمير المؤمنين شيئا، كان يسير بنا البردين يخفض بنا فى الظهائر، و يتخذ الليل حملا، يعجل الترحل من المنزل الفقير، و يطيل اللباث فى المنزل المخصب الرحب، فلم نزل على أحسن حالة يتعرفها قوم من ربهم، حتى انتهى إلى إفريقية، فنزل منها بحيث يسمع صهيل الخيل و رغاء الإبل و قعقعة السلاح، فأقام أياما يجم كراعه، و يصلح سلاحه، ثم دعاهم إلى الإسلام و الدخول فيه فبعدوا منه، و سألهم الجزية عن صغار و الصلح فكانت هذه أبعد، فأقام فيها ثلاث عشرة ليلة يتأتى بهم و تختلف رسله إليهم، فلما يئس منهم قام خطيبا، فحمد الله و أثنى عليه، ثم ذكر النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و أكثر الصلاة عليه، ثم ذكر فضل الجهاد، و ما لصاحبه إذا صبر و احتسب، ثم نهد لعدوه فقاتلهم أشد القتال يومه ذلك، و صبر الفريقان جميعا، و كانت بيننا و بينهم قتلى كثيرة، و استشهد الله رجلا من المسلمين فبتنا و باتوا، للمسلمين بالقرآن دوى كدوى النحل، و بات المشركون فى ملاهيهم و خمورهم.
فلما أصبحنا أخذنا مصافنا التي كنا عليها بالأمس، و زحف بعضنا إلى بعض، فأفرغ
[١] هو: محمد بن مسلم بن عبد الله الزهرى.