الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٧ - ذكر كتاب النبيّ
قال دحية: لا أفعل هذا أبدا، و لا أسجد لغير الله عز و جل، قالوا: إذ لا يؤخذ كتابك، و لا يكتب جوابك، قال: و إن لم يأخذه، فقال له رجل منهم: أدلك على أمر يأخذ فيه كتابك، و لا يكلفك فيه السجود. قال دحية: و ما هو؟ قال: إن له على كل عقبة منبرا يجلس عليه، فضع صحيفتك تجاه المنبر، فإن أحد لا يحركها حتى يأخذها هو، ثم يدعو صاحبها فيأتيه. قال: أما هذا فسأفعل، فعمد إلى منبر من تلك المنابر التي يستريح عليها قيصر، فألقى الصحيفة، فدعا بها فإذا عنوانها كتاب العرب، فدعا الترجمان الذي يقرأ بالعربية، فإذا فيه: «من محمد رسول الله إلى قيصر صاحب الروم»، فغضب أخ لقيصر يقال له: نياق، فضرب فى صدر الترجمان ضربة شديدة، و نزع الصحيفة منه، فقال له قيصر: ما شأنك، أخذت الصحيفة؟ فقال: تنظر فى كتاب رجل بدأ بنفسه قبلك؟
و سماك قيصر صاحب الروم، و ما ذكر لك ملكا. فقال له قيصر: إنك و الله ما علمت أحمق صغيرا، مجنون كبيرا، أ تريد أن تخرق كتاب رجل قبل أن أنظر فيه، فلعمرى لئن كان رسول الله كما يقول، لنفسه أحق أن يبدأ بها منى، و إن كان سمانى صاحب الروم لقد صدق، ما أنا إلا صاحبهم و ما أملكهم، و لكن الله عز و جل سخرهم لى، و لو شاء لسلطهم على كما سلط فارس على كسرى فقتلوه. ثم فتح الصحيفة، فإذا فيها:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى قيصر صاحب الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ الآية إلى قوله: اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٦٤] فى آيات من كتاب الله يدعوه إلى الله و يزهده فى ملكه و يرغبه فيما رغبه الله فيه من الآخرة، و يحذره بطش الله و بأسه» [١].
و فى حديث غير الواقدى أن دحية لما لقى قيصر قال له: يا قيصر، أرسلنى إليك من هو خير منك، و الذي أرسله خير منه و منك، فاسمع بذل، ثم أجب بنصح، فإنك إن لم تذلل لم تفهم، و إن لم تنصح لم تنصف. قال: هات. قال: هل تعلم أن المسيح كان يصلى؟. قال: نعم، قال: فإنى ادعوك إلى من كان المسيح يصلى له، و أدعوك إلى من دبر خلق السموات و الأرض و المسيح فى بطن أمه، و أدعوك إلى هذا النبيّ الأمى، الذي بشر به موسى و بشر به عيسى ابن مريم بعده، و عندك من ذلك أثاره من علم تكفى عن العيان و تشفى عن الخبر فإن أجبت كانت لك الدنيا و الآخرة، و إلا ذهبت عنك الآخرة
[١] انظر الحديث فى: تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (٥/ ٢٢٢)، كنز العمال للمتقى الهندى (٣٠٢٧٨، ٣٠٣٣٧)، دلائل النبوة لأبى نعيم (١٢١)، مجمع الزوائد للهيثمى (٥/ ٣٠٦).