الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٦ - ذكر كتاب النبيّ
و سألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فزعمت أن لا، فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس و يكذب على الله، و سألتك هل كان من آبائه ملك، فقلت: لا، فقلت: لو كان من آبائه ملك، قلت: رجل يطلب ملك أبيه، و سألتك:
أ أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم، فقلت: ضعفاؤهم، و هم أتباع الرسل، و سألتك هل يزيدون أو ينقصون، فزعمت أنهم يزيدون، و كذلك الإيمان حتى يتم، و سألتك: هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، فزعمت أن لا، و كذلك الإيمان حتى تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد، و سألتك: هل قاتلتموه، فقلت: نعم، و أن حربكم و حربه دول سجال، و يدال عليكم مرة، و تدالون عليه أخرى و كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة، و سألتك: ما ذا يأمركم به، فزعمت أنه يأمركم بالصلاة و الصدق و العفاف و الوفاء بالعهد، و أداء الأمانة، و هو نبى، و قد كنت أعلم أنه خارج لكم و لكن لم أظن أنه فيكم، و إن كان ما أتانى عنه حقا، فيوشك أن يملك موضع قدمي هاتين، و لو أعلم أنى أخلص إليه لتجشمت لقيه، و لو كنت عنده لغسلت قدميه.
قال أبو سفيان: «ثم دعا بكتاب رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فقرئ، فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإنى أدعوك بداعية الإسلام، أسلم لتسلم، و أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، و يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم، أن لا نعبد إلا الله و لا نشرك به شيئا، و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون».
قال أبو سفيان: فلما قضى مقالته و فرغ الكتاب علت أصوات الذين حوله و كثر لغطهم، فلا أدرى ما قالوا، و أمر بنا فأخرجنا، فلما خرجت أنا و أصحابى و خلصنا، قلت لهم: لقد أمر أمر ابن أبى كبشة، هذا ملك بنى الأصفر يخافه، قال: فو الله ما زلت ذليلا مستيقنا أن أمره سيظهر حتى أدخل الله على الإسلام [١].
و فى حديث غير هذا، ذكره أيضا الواقدى عن محمد بن كعب القرظى أن دحية الكلبى لقى قصر بحمص لما بعثه إليه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و قيصر ماش من قسطنطينة إلى إيلياء فى نذر كان عليه إن ظهرت الروم على فارس أن يمشى حافيا من قسطنطينة، فقال لدحية قومه لما بلغ قيصر: إذا رأيته فاسجد له، ثم لا ترفع رأسك أبدا حتى يأذن لك.
[١] انظر الحديث فى: صحيح البخاري (٦/ ٤٥)، سنن أبى داود (٥١٣٦)، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (٣/ ٤١٤).