الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٦٣ - ذكر غسل رسول الله
و هل عدلت يوما رزية هالك* * * رزية يوم مات فيه محمد
و هذا البيت من قصيدة له يرثى بها رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) سنذكرها بعد فى مراثيه.
و روى أيضا عن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «ليعز المسلمين فى مصائبهم المصيبة بى» [١].
فيا لها و الله مصيبة أحرقت الأكباد، و غمرت بالأسف و الحزن الآماد و الآباد، و رزأ ثقيلا آد كاهل الإيمان منه ما آد، و خطبا جليلا أودى بكل صبر جميل أو كاد:
و الصبر يحمد فى المواطن كلها* * * إلا عليك فإنه مذموم
و لو لا أن الله سبحانه و تعالى ربط على القلوب من بعده بأمر من عنده لأودت مكانها كمدا، و لما وجدت إلى البقاء متسلفا، و لا عن وحى القنا ملتحدا، و لو رجفت الأرض لفقدان أحد لأصبحت لفقدانه راجفة، و لو نسفت الجبال لمهلك هالك لغدت رواسيها على حكم الأسف متناسفة، و لو كسفت النيرات لمصرع حى لأمست دررها منثورة لمصرعه، و لو تغيرت المشارع المورودة لموت إنسان لأمر لموته على كل وارد عذب مشرعه هيهات هيهات، ذلك و الله الرزء الكبار، و النازلة التي يعيى بها الاحتمال و الاصطبار، و الخطر الذي تقاصر دونه الأخطار، و الخطب الذي تشقى بمضاضة مشاهدته المهاجرون و الأنصار، و المفقود الذي لا عوض منه أبدا و إن تراخت الأيام و تطاولت الأعصار، و لو غير الأقدار أصابته لبدلت دونه أعلاق المهج، أو غير المنايا نابتة لتعذر على قاصده وجه السبيل المنتهج، و لكنها السبيل التي لا يتخطاها سالك، و ما سبقت به مشيئة الدائم الباقى الذي كل شيء إلا وجهه هالك، فلا مجال للدفاع، و لا حيلة فى الامتناع، و لا غناء للأعوان و الأتباع، و لا شيء يضمه حكم الممكن المستطاع غير الانقياد لأمر الله و الإهطاع، و لهفا عليه، و يا برح شوق القلوب المشربة نور الإيمان به، و شدة نزاعها إليه، و بالدموع أجريت عليه، (صلوات الله و بركاته عليه)، لقد وجدت مجرا، و أوجبت أجرا و حرمت لهيا عن أسبابها و زجرا، و لقد كان من يقدم المدينة بعد أن استأثر به مولاه الذي شرح له صدرا، و رفع له ذكرا و قدرا، إذا أشرفوا عليها سمعوا لأهلها ضجيجا يصم السميع، و للبكاء فى جنباتها عجيجا أصحل الحلوق و نزف الدموع.
حدث أبو ذؤيب الهذلى فقال: بلغنا أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) عليل، فاستشعرت حزنا، و بت بأطول ليلة لا ينجاب ديجورها، و لا يطلع نورها، فظللت أقاسى طولها حتى إذا كان قرب السحر أغفيت فهتف بى هاتف و هو يقول:
[١] انظر الحديث فى: السلسلة الصحيحة للألبانى (١١٠٦)، موطأ مالك (٢٣٦).