الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٥٨٣ - حديث فتح الباب
و كتب سراقة بالفتح و بالذى وجه فيه هؤلاء إلى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، فأتى عمر أمر لم يكن يرى أنه يستتم له على ما خرج عليه سريعا بغير مئونة، و كان فرجا عظيما به جند عظيم، إنما ينتظر أهل فارس صنيعهم، ثم يضعون الحرب أو يبعثونها.
فلما استوثقوا و استحلوا عدل الإسلام مات سراقة، (رحمه الله)، و استخلف عبد الرحمن بن ربعة، و قد مضى أولئك القواد الذين بعثهم سراقة، فلم يفتح أحد منهم ما وجه له إلا بكيرا فإنه فض موقان، ثم تراجع أهلها على الجزية، فقبل منهم و كتب لهم بها و بأمانهم عليها.
و لما بلغ عمر، (رحمه الله)، موت سراقة و استخلافه عبد الرحمن أقره عمر و أمره بغزو الترك، فخرج بالناس حتى قطع الباب، فقال له شهربراز: ما تريد أن تصنع؟ قال: أريد بلنجر، فقال شهربراز: إنا لنرضى منهم أن يدعونا من وراء الباب، فقال عبد الرحمن:
لكنا لا نرضى منهم بذلك حتى نأتيهم فى ديارهم، و بالله إن معنا لأقواما لو يأذن لنا أميرنا فى الإمعان لبلغت بهم الردم، قال: و ما هم؟ قال: أقوام صحبوا رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و دخلوا فى هذا الأمر بنية، و كانوا أصحاب حياء و تكرم فى الجاهلية، فازداد حياؤهم و تكرمهم و لا يزال هذا الأمر دائما لهم، و النصر معهم حتى يغيرهم من يغلبهم، و حتى ينقلوا عن حالهم.
فغزا عبد الرحمن بلنجر غزاة فى زمان عمر، رضى الله عنه، لم تئم فيها امرأة و لم ييتم صبى، و بلغت خيله فى غزاته البيضاء على رأس مائتى فرسخ من بلنجر، ثم غزا فسلم، ثم غزا غزوات فى زمان عثمان، رضى الله عنه، ثم أصيب عبد الرحمن حين تبدل أهل الكوفة فى إمارة عثمان لاستعماله من كان ارتد استصلاحا لهم، فلم يصلحهم ذلك و زادهم فسادا، أن سادهم من طلب الدنيا، و عضلوا بعثمان، رضى الله عنه و رحمه، حتى جعل يتمثل:
و كنت و عمرا كالمسمن كلبه* * * فخدشه أنيابه و أظافره
و قال سلمان بن ربيعة [١]: لما دخل عبد الرحمن بن ربيعة عليهم، يعنى على الترك، حال الله بينهم و بين الخروج عليه، و قالوا: ما اجترأ علينا هذا الرجل إلا و معهم الملائكة تمنعهم من الموت، فتحصنوا منه، فرجع بالغنم و الظفر، و ذلك فى إمارة عمر، ثم لما
[١] انظر: الطبرى (٤/ ١٥٨، ١٥٩).