الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٤٧٥ - يوم أرماث
مجاشع: الله أكبر، إنى لأرى الأرض من خلل صفهم، فكبروا و احملوا، فقال له المغيرة:
اجلس، و أقبل المغيرة على قيس بن مكشوح فقال: احمل يا قيس فإنى حامل، و نكبنى خيلك، لا أعرفنك إذا غلبت رجالى فيهم إن تجاوزها خيلك، فإذا عضك السلاح رددتها على أعقابها فى وجوه رجالى، فيكون أشد عليهم من عدوهم، و هز المغيرة رايته، و حمل، و اتبعه قيس، فما وصلوا كتيبته حتى رجع فيهم طعنتين، فقال طليحة: يا بنى أسد، ما تستحيون، الناس يقاتلون و أنتم وقوف، فحمل فقالت امرأة من بنى أسد لبنيها و هم أربعة: يا بنى، و الله ما نبت بكم دار و لا أفحمتكم سنة، و لقد أسلمتم طائعين، و هاجرتم راغبين، و جئتم بأمكم عجوزا كبيرة فوضعتموها بين يدي أهل فارس، فقاتلوا عن دينكم و أمكم، فو الله إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، فاشهدوا أشد القتال، فحملوا، فقالت: اللهم احفظ فىّ بنى.
و روى الشعبى أن هذه المرأة كانت من النخع، و ذكر حديثها بنحو ما تقدم إلى قولها: كما أنكم بنو امرأة واحدة، و زاد هاهنا: ما خنت أباكم، و لا فضحت خالكم، انطلقوا فاشهدوا أول القتال و آخره، فأقبلوا يشتدون، فلما غابوا عنها رفعت يديها إلى السماء و هى تقول: اللهم ادفع عن بنى، فرجعوا إليها و قد أحسنوا القتال، فما كلم رجل منهم كلما.
قال الشعبى: فرأيتهم بعد ذلك يأخذون ألفين ألفين من العطاء، فيأتون أمهم فيلقونه فى حجرها، فترده عليهم، و تقسمه فيهم على ما يصلحهم.
و قد ذكر الزبير بن بكار نحو هذا عن الخنساء بنت عمرو بن الشريد السلمية فى بنين لها أربعة شهدت معهم حرب القادسية، فقالت لهم من أول الليل: يا بنى، إنكم أسلمتم طائعين، و هاجرتم مختارين، و ذكرت من صونها لنسبهم نحو ما ذكر قبل، ثم قالت لهم:
و قد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل فى حرب الكافرين، و اعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، فإذا أصبحتم غدا إن شاء الله سالمين فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، و بالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها و اضطرمت لظاها على سباقها و جللت نارا على أرواقها، فتيمموا وطيسها، و جالدوا رئيسها عند احتدام حميسها [١]، تظفروا بالغنم و الكرامة فى دار الخلد و المقامة، فخرج بنوها قابلين لنصحها، فلما أضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم، و أنشأ أولهم يقول:
[١] الحميس: أى التنور.