الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣٥٣ - ذكر فتح مصر
عمرو بذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمره أن يبعث إليه شريكا، فأقرأ عمرو شريكا الكتاب، فقال له شريك: قتلتنى يا عمرو قال: ما أنا قتلتك قال: أنت صنعت هذا بنفسك قال: فإذا كان هذا من رأيك فأذن لى فى الخروج إليه من غير كتاب، و لك علىّ عهد الله أن أجعل يدى فى يده، فأذن له، فلما وقف على عمر قال: تؤمننى يا أمير المؤمنين؟ قال: و من أى الأجناد أنت؟ قال: من جند مصر، قال: فلعلك شريك بن سمى الغطيفى؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين، قال: لأجعلنك نكالا لمن خلفك، قال: أو تقبل منى ما قبل الله من العباد؟ قال: و تفعل؟ قال: نعم، فكتب إلى عمرو بن العاص: إن شريك ابن سمى جاءنى تائبا فقبلت منه.
و عن الليث بن سعد [١] قال: سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح المقطم بسبعين ألف دينار، فعجب عمرو من ذلك و قال: أكتب فى ذلك إلى أمير المؤمنين، فأجابه عمر عن كتابه إليه فى ذلك: سله لم أعطاك به ما أعطاك، و هى لا تزدرع و لا يستنبط بها ماء و لا ينتفع بها. فسأله عمرو، فقال: إنا لنجد صفتها فى الكتب أن فيها غراس الجنة، فكتب بذلك إلى عمر، فأجابه: إنا لا نعلم غراس الجنة إلا المؤمنين، فأقبر فيها من مات قبلك من المسلمين و لا تبعه بشيء. فكان أول من دفن فيها رجل من المعافر يقال له: عامر، فقيل: عمرت.
قالوا [٢]: و لما استقامت البلاد و فتح الله على المسلمين، فرض عمرو بن العاص لرباط الإسكندرية ربع الناس، يقيمون ستة أشهر ثم يعقب بعدهم ربعا آخر ستة أشهر، و ربعا فى السواحل، و النصف الثانى مقيمون معه.
و قيل: كان عمر بن الخطاب يبعث كل سنة غازية من أهل المدينة ترابط بالإسكندرية و كانت الولاة لا تغفلها، و يكثفون رابطتها، و لا يأمنون الروم عليها.
و كتب عثمان بن عفان، رضى الله عنه، و هو خليفة إلى عبد الله بن سعد بن أبى سرح بعد أن استعمله على مصر:
قد علمت كيف كان هم أمير المؤمنين بالإسكندرية، و قد نقضت مرتين، فألزم الإسكندرية رابطتها، و أجر عليهم أرزاقهم، و أعقب بينهم فى كل ستة أشهر.
و كان عمرو بن العاص يقول: ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة، و قال: نيل مصر سيد
[١] انظر: فتوح مصر و أخبارها لابن عبد الحكم (ص ١٥٧).
[٢] انظر: فتوح مصر و أخبارها لابن عبد الحكم (ص ١٩٢).