الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣٥٢ - ذكر فتح مصر
و أهون أنفسهم و ما رأينا مثلنا دان لهم فخاف أن يستثيرهم ذلك، فأمر بجزر فنحرت، فبطحت فى الماء و الملح، و أمر أمراء الأجناد أن يحضروا هم و أصحابهم، و جلس و أذن لأهل مصر، و جيء باللحم و المرق فطافوا به على المسلمين، فأكلوا أكلا عربيا، انتشلوا و حسوا و هم فى العباء و لا سلاح، فافترق أهل مصر و قد ازدادوا طمعا و جرأة، و تقدم إلى أمراء الأجناد فى الحضور بأصحابهم من الغد، و أمرهم أن يجيئوا فى ثياب أهل مصر و أحذيتهم، و أمرهم أن يأخذوا أصحابهم بذلك، ففعلوا، و أذن لأهل مصر، فرأوا غير ما رأوا بالأمس، و قام عليهم القوم بألوان مصر، فأكلوا أكل أهل مصر، و نحوا نحوهم، فافترقوا و قد ارتابوا.
و بعث إليهم: أن يتسلحوا غدا للعرض، و غدا على العرض، و أذن لأهل مصر فعرضهم عليهم، ثم قال: إنى قد علمت أنكم رأيتم فى أنفسكم أنكم فى شيء حين رأيتم اقتصاد العرب و هون تزجيتهم، فخشيت أن تهلكوا، فأحببت أن أريكم حالهم، كيف كانت فى أرضهم، ثم حالهم فى أرضكم، ثم حالهم فى الحرب فظفروا بكم، و ذلك عيشهم، و قد كلبوا على بلادكم قبل أن ينالوا منها ما رأيتم فى اليوم الثانى، فأحببت أن تعلموا أن من رأيتم فى اليوم الثالث غير تارك عيش اليوم الثانى و راجع إلى عيش اليوم الأول.
فتفرقوا و هم يقولون: لقد رمتكم العرب برجلهم.
و بلغ عمر، (رحمه الله)، ذلك، فقال لجلسائه، يعنى عمرا: و الله إن حربه للينة ما لها سطوة و لا سورة كسورات الحروب من غيره، إن عمرا لعض، ثم أمّره عليها و أقام بها.
و ذكر ابن عبد الحكم أن عمر، رضى الله عنه، كتب أن يختم فى رقاب أهل الذمة بالرصاص، و يظهروا مناطقهم، و يجزوا نواصيهم، و يركبوا على الأكف عرضا، و لا يضربوا الجزية إلا على من جرت عليه الموسى، و لا يضربوا على النساء، و لا على الولدان، و لا يدعوهم يتشبهون [١] بالمسلمين فى لبوسهم [٢].
قال: ثم إن عمر بن الخطاب أمر أمراء الأجناد أن يتقدموا إلى الرعية بأن عطاءهم قائم، و أرزاق عيالهم جارية، فلا يزرعون، يعنى الأجناد، و لا يزارعون.
فأتى شريك بن سمى الغطيفى إلى عمرو بن العاص فقال: إنكم لا تعطوننا ما يحبسنا أ فتأذن لى بالزرع؟ فقال له عمرو: ما أقدر على ذلك، فزرع شريك بغير إذنه، فكتب
[١] انظر: فتوح مصر و أخبارها لابن عبد الحكم (ص ١٥١).
[٢] انظر: فتوح مصر و أخبارها لابن عبد الحكم (ص ١٦٢).