الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣٤٦ - ذكر فتح مصر
الخطاب جميعها ذمة، و حملهم على ذلك، فجرى ذلك فيهم إلى اليوم.
و فى كتاب سيف عمن سمى من أشياخه [١] فى فتح مصر مساق آخر غير ما تقدم، و ذلك أن عمرو بن العاص خرج إلى مصر بعد ما رجع عمر إلى المدينة، يعنى رجوعه من الشام، فانتهى عمرو إلى باب مصر، و أتبعه الزبير فاجتمعا، فلقيهم هناك أبو مريم جاثليق [٢] مصر و معه الأسقف فى أهل النيات، بعثهم المقوقس لمنع بلادهم.
فلما نزل بهم عمرو قاتلوه، فأرسل إليهم عمرو: لا تعجلونا لنعذر إليكم، و تروا رأيكم بعد، فكفوا أصحابهم، فأرسل إليهم عمرو: إنى بارز فليبرز لى أبو مريم و أبو مريام، فأجابوه إلى ذلك و آمن بعضهم بعضا. فقال لهما عمرو: أنتما راهبا أهل هذه البلدة فاسمعا: إن الله بعث محمدا بالحق و أمره به، و أمرنا به محمد، و أدى إلينا كل الذي أمر به، ثم مضى، (صلوات الله عليه)، و قد قضى الذي عليه و تركنا على الواضحة، و كان مما أمرنا به الإعذار إلى الناس، فنحن ندعوكم إلى الإسلام، فمن أجابنا إليه قبلنا منه و كان مثلنا، و من لم يجبنا إليه عرضنا عليه الجزية، و بذلنا له المنعة، و قد أعلمنا أنا مفتتحوكم، و أوصانا بكم حفظا لرحمنا فيكم، و إن لكم إن أجبتمونا إلى ذلك ذمة إلى ذمة، و مما عهد إلينا أميرنا: استوصوا بالقبطيين خيرا، فإن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) أوصى بالقبطيين خيرا؛ لأن لهم رحما و ذمة، يعنى بالرحم أن هاجر أم إسماعيل بن إبراهيم (عليهما السلام) منهم، فقالا: قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الأنبياء و أتباع الأنبياء، و ذكرا أن هاجر معروفة عندهم شريفة.
قالا: كانت ابنة ملكنا، و كان من أهل منف و الملك فيهم، فأذيل عليهم أهل عين شمس فقتلوهم و سلبوا ملكهم و اغتربوا، فلذلك صارت إلى إبراهيم (عليه السلام). مرحبا بكم و أهلا أمنا حتى نرجع إليك.
فقال عمرو: إن مثلى لا يخدع و لكننى أؤجلكما ثلاثا و لتناظرا قومكما، و إلا ناجرناكم.
قالا: زدنا، فزادهم يوما، فقالا: زدنا، فزادهم يوما، فرجعوا إلى المقوقس، فهم، يعنى بالإنابة إلى الجزية، فأبى أرطبون أن يجيبهما، و أمر بمناهدتهم، فقالا لأهل مصر: أما نحن فسنجهد أن ندفع عنكم، لا نرجع إليهم و قد بقيت أربعة أيام، فلا تصابون فيها بشيء
[١] انظر: تاريخ الرسل و الملوك للطبرى (٤/ ١٠٧، ١٠٨).
[٢] الجاثليق: رئيس النصارى فى ديار الإسلام.