الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣٢٩ - ذكر فتح مصر
فقال له: إنى أريد أن آتيك بنفر من أصحابى حتى يسمعوا منك مثل الذي سمعت، فقال العلج فى نفسه: قتل جماعة أحب إلىّ من قتل واحد، فأرسل إلى الذي كان على الباب يأمره بالكف عن عمرو رجاء أن يأتيه بأصحابه فيقتلهم، فخرج عمرو و لم يعد.
و فى حصار المسلمين هذا الحصن كان عبادة بن الصامت يوما فى ناحية يصلى و فرسه عنده، فرآه قوم من الروم، فخرجوا إليه و عليهم حلية و بزة، فلما دنوا منه سلم من صلاته، و وثب على فرسه، ثم حمل عليهم، فلما رأوه غير مكذب عنهم و لوا راجعين، و اتبعهم، فجعلوا يلقون مناطقهم و متاعهم ليشغلوه بذلك عن طلبهم، و لا يلتفت إليه حتى دخلوا الحصن، و رمى عبادة من فوق الحصن بالحجارة، فرجع و لم يعرض لشىء مما كانوا طرحوا من متاعهم، حتى أتى موضعه الذي كان به، فاستقبل الصلاة، و خرج الروم إلى متاعهم يجمعونه.
و لما أبطأ الفتح على عمرو بن العاص قال الزبير: إنى أهب نفسى لله و أرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين، فوضع سلما إلى جانب الحصن ثم صعد، و أمرهم إذا سمعوا تكبيره أن يجيبوه جميعا، فما شعروا إلا و الزبير على رأس الحصن يكبر معه السيف، و تحامل الناس على السلم حتى نهاهم عمرو خوفا من أن ينكسر. و لما اقتحم الزبير و تبعه من تبعه و كبر، و كبر من معه و أجابهم المسلمون من خارج، لم يشك أهل الحصن أن العرب قد اقتحموه جميعا، فهربوا، و عمد الزبير و أصحابه إلى باب الحصن ففتحوه، و اقتحمه المسلمون، فلما خاف المقوقس على نفسه و من معه سأل عمرو بن العاص الصلح و دعاه إليه، على أن يفرض للعرب على القبط دينارين دينارين على كل رجل منهم، فأجابه عمرو إلى ذلك.
و كان مكثهم على باب القصر حتى فتحوه سبعة أشهر فيما روى عن الليث.
قال ابن عبد الحكم: و قد سمعت فى فتح القصر وجها آخر مخالفا للحديثين المتقدمين، فالله أعلم.
ثم أورد بإسناد يرفعه إلى جماعة من التابعين، يزيد بعضهم على بعض، أن المسلمين لما حاصروا باب اليون و كان به جماعة من الروم و أكابر القبط و رؤسائهم و عليهم المقوقس فقاتلوهم بها شهرا، فلما رأى القوم الجد منهم على فتحه و الحرص و رأوا من صبرهم على القتال و رغبتهم فيه خافوا أن يظهروا عليهم، فتنحى المقوقس و جماعة من أكابر القبط، و خرجوا من باب القصر القبلى و دونهم جماعة يقاتلون العرب، فلحقوا بالجزيرة، موضع الصناعة اليوم، و أمروا بقطع الجسر، و ذلك فى جرى النيل.