الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣٢٣ - ذكر فتح مصر
الروم، من أهل الإسكندرية، كان قدم للصلاة فى بيت المقدس و للسياحة فى جبالها، فوقف على عمرو فاستسقاه و قد أصابه عطش شديد فى يوم شديد الحر، فسقاه عمرو من قربة له، فشرب حتى روى، و نام الشماس مكانه، و كانت إلى جنبه حيث نام حفرة، فخرجت منها حية عظيمة، فبصر بها عمرو، فنزع لها بسهم فقتلها، فلما استيقظ الشماس و نظر إلى الحية سأل عمرا عنها، فأخبره أنه رماها فقتلها، فأقبل الشماس فقبل رأسه، و قال: قد أحيانى الله بك مرتين، مرة من شدة العطش، و مرة من هذه الحية، فما أقدمك هذه البلاد؟ قال: قدمت مع أصحاب لى نطلب الفضل فى تجارتنا، فقال له الشماس: و كم تراك ترجو أن تصيب فى تجارتك؟ قال: رجائى أن أصيب ما اشترى به بعيرا، فإنى لا أملك إلا بعيرين، فأملى أن أصيب بعيرا ثالثا، فقال له الشماس: كم الدية فيكم؟ قال: مائة من الإبل، قال الشماس لسنا أصحاب إبل، إنما نحن أصحاب دنانير.
قال: تكون ألف دينار، فقال له الشماس: إنى رجل غريب فى هذه البلاد، و إنما قدمت أصلى فى كنيسة بيت المقدس، و أسيح فى هذه الجبال شهرا، جعلت ذلك نذرا على نفسى، و قد قضيت ذلك، و أنا أريد الرجوع إلى بلادى، فهل لك أن تتبعنى إلى بلادى، و لك عهد الله و ميثاقه أن أعطيك ديتين لأن الله عز و جل، أحيانى بك مرتين؟
فقال له عمرو: و أين بلادك؟ قال: مصر، فى مدينة يقال لها: الإسكندرية، فقال له عمرو: لا أعرفها، و لم أدخلها قط، فقال له الشماس: لو دخلتها لعلمت أنك لم تدخل قط مثلها، فقال عمرو: و تفى لى بما تقول؟ فقال له الشماس: نعم، لك علىّ العهد و الميثاق أن أفي لك، و أن أردك إلى أصحابك، فقال عمرو: كم يكون مكثى فى ذلك؟
قال: شهرا تنطلق معى ذاهبا عشرا، و تقيم عندنا عشرا و ترجع فى عشر، و لك علىّ أن أحفظك ذاهبا، و أن أبعث معك من يحفظك راجعا، فقال له عمرو: أنظرنى حتى أشاور أصحابى.
فانطلق عمرو إلى أصحابه، فأخبرهم بما عاهده عليه الشماس، و قال لهم: أقيموا علىّ حتى أرجع إليكم و لكم علىّ العهد أن أعطيكم شطر ذلك، على أن يصحبنى رجل منكم آنس به، فقالوا: نعم، و بعثوا معه رجلا منهم.
فانطلق عمرو و صاحبه مع الشماس إلى مصر، حتى انتهى إلى الإسكندرية، فرأى عمرو من عمارتها و كثرة أهلها و ما بها من الأموال ما أعجبه، و نظر إلى الإسكندرية و عمارتها و جودة بنائها، و كثرة أهلها، و ما بها من الأموال، فازداد عجبا.