الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٣٥ - ذكر تقديم خالد بن الوليد الطلائع أمامه من البطاح
الأفاعيل، ما رأيت عقولا أضعف من عقول أصحابك، مثل هذا فعل بكم ما فعل، فقال مجاعة: قد كان ذلك يا خالد، و لا تظن أن الحرب انقطعت بينك و بين بنى حنيفة، و إن قتلت صاحبهم، إنه و الله ما جاءك إلا سرعان الناس، و إن جماعة الناس و أهل البيوتات لفى الحصون، فانظر، فرفع خالد بن الوليد رأسه و هو يقول: قاتلك الله، ما تقول؟ قال:
أقول و الله الحق، فنظر خالد، فإذا السلاح، و إذا الخلق على الحصون، فرأى أمرا غمه، ثم تشدد ساعتئذ و أدركته الرجولية، فقال لأصحابه: يا خيل الله اركبى، و جعل يدعو بسلاحه، و يقول: يا صاحب الراية قدمها، قال: و المسلمون كارهون لقتالهم، و قد ملوا الحرب، و قتل من قتل و عامة من بقى جريح.
فقال مجاعة: أيها الرجل، إنى لك ناصح، إن السيف قد أفناك و أفنى غيرك، فتعال أصالحك عن قومى، و قد أخل بخالد مصاب أهل السابقة، و من كان يعرف عنده الغناء، فقد رق و أحب الموادعة مع عجف الكراع، فاصطلحا على الصفراء و البيضاء، و الحلقة و الكراع، و نصف السبى، ثم قال مجاعة: آتى القوم فأعرض عليهم ما صنعت، قال:
فانطلق، فذهب ثم رجع، فأخبره أنهم قد أجازوه، فلما بان لخالد أنه إنما هو السبى، قال: ويلك، يا مجاعة خدعتنى فى يوم مرتين، قال مجاعة: قومى، فما أصنع، و ما وجدت من ذلك بدا، قد حضنى النساء، و أنشده قول امرأة من بنى حنيفة:
مسيلم لم يبق إلا النساء* * * سبايا لذى الخف و الحافر
و طفل ترشحه أمه* * * حفير متى يدع يستأخر
فأما الرجال فأودى بهم* * * حوادث من دهرنا العاثر
فليت أباك مضى حيضه* * * و ليتك لم تك فى الغابر
سحبت علينا ذيول البلاء* * * و جئت بهن سمى قاشر
فمجاعة الخير فانظر لنا* * * فليس لنا اليوم من ناظر
سواك فإنا على حالة* * * تروعنا مرة الطائر
فقال: مجاعة: فكنت أجد من هذا بدا [١].
و ذكر أن مجاعة لما ذهب إلى قومه ليعرض عليهم الصلح، انتهى إلى باب الحصن ليلا، فإذا امرأة تنشد هذا الشعر، فدنا منها مجاعة، فقال: هتم الله فاك، اسكتى، أنا مجاعة، ثم دخل الحصن و ليس فيه إلا النساء و الصبيان، فأمرهم بلبس السلاح و إطالة الإشراف، و القيام فى مصاف الرجال، فقال سلمة بن عمير لأصحابه: يا بنى حنيفة قاتلوا و لا
[١] راجع ما ذكره ابن الجوزى فى صلح خالد بن الوليد مع أهل اليمامة (٤/ ٨٢- ٨٣).